تشيخوف: الكتابة كانت عشيقته والطبُّ زوجته الشرعية

احتفاء عالمي بذكرى ولادته الـ »150«
كريم راشد

 لم يكن من قبيل المصادفة أن تتسابق الأوساط الأدبية في العالم للاحتفال بالذكرى الـ(150) لولادة أديب روسيا العظيم أنطون بافلوفيتش تشيخوف (1860-1904) الذي أغنى عقول وأرواح قرّائه في جهات الأرض الأربع بما زرعه فيهم من أمل وسخرية و رفض للقبح والانحياز دائماً إلى الحق والجمال.
الاحتفال بهذه الذكرى جاء من روسيا أولاً، حيث قررت الحكومة الروسية تخصيص الأشهر الستة الأولى من هذه السنة لتشيخوف عبر إعادة طباعة أعماله الكثيرة، وإعادة عرض مسرحياته. واللافت في الاحتفالية الروسية أنها بدأت بزيارة الرئيس الروسي ديمتري ميدفيدف إلى قرية تاجانروغ مسقط رأس تشيخوف، ووضعه إكليلاً من الزهور على ضريح أديبنا. وبكلمات موجزة اختصر الرئيس الروسي سِرّ عظمة تشيخوف وأسباب الاهتمام الرسمي به لكونه -إلى جانب سواه من الكتاب الروس العظام كتولستوي ودوستويفسكي- قد أثبت كما أثبتوا من خلال خلود كتاباتهم ذات الشهرة العالمية وأصالةَ الثقافة الروسية، وبعدها الإنساني الذي يزداد جلاءً وإشراقاً عبر الأجيال المتلاحقة. ويعي الروس ربما أكثر من غيرهم من الشعوب أنّ الأمم الحيّة هي التي لا تكفُّ عن إنجاب الكُتّاب الحقيقيين، وهذا ما فعلته روسيا على الدوام عبر تقديمها لعشرات الأسماء الأدبية المرموقة ممن صاروا ملكاً للحضارة الإنسانية جمعاء.

 


والاحتفال بتشيخوف لم يقتصر على الروس وحدهم، فعشاقه أكثر من أن يُعدّوا أو يُحصوا. وفي هذا الإطار شهدت العاصمة المصرية القاهرة ندوةً كبرى شارك فيها كُتابٌ ومترجمون ومثقفون عربٌ وروس اجتمعوا كلّهم على حُبّ تشيخوف والإقرار بإسهاماته الأدبية التي تربّت عليها أجيال من المثقفين العرب. كذلك خصص معرض القاهرة الأخير للكتاب جناحاً خاصّاً لترجمات تشيخوف العربية الكثيرة، وفي مقدمتها ترجمات الدكتور أبو بكر يوسف صاحب الفضل الكبير في تقديم تشيخوف عربياً وبترجمات فائقة الروعة والجودة.

فَتِّش عن الصدق
من الصعب الحديث بعجالة عن سِرِّ عبقرية تشيخوف، أو عن فرادة موهبته وأصالتها، فهو قد عاش أربعة وأربعين عاماً ما بين دراسة الطب وكتابة الأدب ومعاينة مرضاه الريفيين، وهي سنوات لا تكاد تكفي لاكتمال الموهبة ولإنجاز هذا الكمّ الكبير من الروايات والقصص القصيرة والمسرحيات.. ويذهب البعض للقول إنّ سرَّ عبقريته يكمن في بساطته، بل في قدرته على رصد تفاصيل الحياة اليومية الصغيرة وجعلها مادة أدبية صالحة للكتابة والقراءة والخلود.
وتشيخوف بهذا المعنى لا يترفّع على خامته الأدبية الأولية: الناس وأحداثهم اليومية، وعن هذا كتب: لقد أردتُ أن أقول للناس بصدق وصراحة: انظروا إلى أنفسكم.. انظروا كيف تحيَون حياة سيئة مُملّة، فأهمّ شيء أن يفهم الناس ذلك، وعندما يفهمون سيشيّدون حياة أخرى أفضل.. وستكون حياة مختلفة تماماً، لا تشبه هذه الحياة.
هذا التواضع نجد صداه في قول آخر لمؤلفنا: منذ أربعين عاماً عثرتُ في الطريق على ورقة نقدية من فئة الروبل، ومنذ ذلك الوقت لم أرفع وجهي عن الأرض أبداً. وأستطيع الآن أن أحصي ممتلكاتي كما يفعل أصحاب الثروات في نهاية حياتهم، فأنا أملك (2917) زراً و(34172) دبوساً و(13) ريشة و(12) قلماً، ومنديلاً واحداً، وظهراً محنيّاً ونظراً ضعيفاً وحياة بائسة. ورغم هذه السخرية إلا أنّ تشيخوف كان يَعُدّ الكتابة ''عشيقتَه'' ومهنة الطب ''زوجتَه''... هكذا كان يجد في الكتابة سعادة رغم كل الصعوبات التي واجهت حياته. يقول: بعيداً عن شهرتي في الكتابة تجدون حياتي مُملّة لا طعم لها ولا لون. حياتي حزينة في يومياتي، لكنني عرفت كيف أجد السعادة في أمكنة محايدة، منها الكتابة.

أسرار الطفولة المُغيّبة
ويذهب البعض في ردِّ سِرِّ عبقرية تشيخوف إلى أنّه لم ينعم بأية طفولة في طفولته، وهكذا حاول التعويض عن قسوة الطفولة بلين ورفق يسودان كل كلمة كتبها، مغلفاً إياها ببساطة وصدق ووصف مبسط، وترك نهايات قصصه ومسرحياته ورواياته مفتوحة على احتمالات متروكة لعقل ووجدان قارئ احترمه تشيخوف كثيراً، فآثر فتح مواجهة بينه وبين ذاته، بينه وبين مصائر شخصيات تشبهه، أو لا تشبهه، لكنه يجد نفسه على الدوام واقفاً موقف المتأمل منها. ولا يبالغ هنري ترويا -أشهر مَن كتب سيرة تشيخوف- حين يقول: قراءة قصص تشيخوف ومسرحياته تماثل القيام برحلة على متن دوامة سريعة تنقل القارئ في أرجاء روسيا أواخر القرن التاسع عشر برفقة دليل صافي التفكير، رابط الجأش، يطلعك على كل شيء لكنه يتجنّب التعليق. 
ذلك جزء يسير من سرِّ عبقرية تشيخوف الذي عمل خادماً للأدب طوال سنوات عمره، وصار سيداً من أسياد الأدب الروسي والعالمي، تهفو إليه مخيلة القُرّاء والكتّاب، ويعاد اكتشاف انجازاته الأدبية على الدوام بفضل جهده وإخلاصه في رصد كل ما هو أصيل في الذات الإنسانية.. والاحتفال بالذكرى (150) لولادته جزء من ردّ الجميل لكاتب أعطانا متعة فريدة في القراءة، وحرية كبيرة للتحليق في أجواء الروح.

 

alt

مارغيلوف: تشكيلات مسلحة غير نظامية كانت وراء حادث اختطاف المروحية الروسية وقائدها في دارفور23:40 2010-07-29

الروسيان يفوزان بذهبية وفضية الوثب العالي للرجال ضمن بطولة أوروبا لألعاب القوى في برشلونة23:21 2010-07-29

إطلاق سراح الطيار الروسي المحتجز في دارفور 22:46 2010-07-29

محادثات القمة السورية السعودية في دمشق22:27 2010-07-29

أهم الأخبار - 29 يوليو ، الساعة 22.00 بتوقيت موسكو22:00 2010-07-29

مقتل 90 شخصا بسبب الفيضان في باكستان21:45 2010-07-29

قاذفتان روسيتان من طراز "تو-95 م س" تسجلان رقما قياسيا جديدا21:28 2010-07-29


/var/www/html/ria.html

 


Sections

نشرة 1 - اكتوبر 2009
لتصفح هذه النشرة بالصيغة المطبوعة
نشرة 2 - نوفمبر 2009
لتصفح هذه النشرة بالصيغة المطبوعة
نشرة 3 - ديسمبر 2009
نشرة 4 - فبراير 2010
نشرة 5 - مارر 2010
نشرة 6 - سياسة
نشرة 6 - اقتصاد
نشرة 6 - ثقافة
نشرة 6 - رياضة
Cairo, Egypt
Temp: 24°C
Feels Like: 25°C
Humidity: 78%
Speed: 8 km/h
Direct.: 20°
Pressure: 1006.1 mb
NNE
Show more details
Provided by: