|
المحرر الثقافي إذا كان المُشاهد العربي العادي بعد كثرة الفضائيات وسطوتها قد أصبح معتاداً على رؤية الأفلام والمسلسلات الأجنبية، فإنّ نصيبه من رؤية الأفلام والمسلسلات الروسية يكاد يعادل الصفر. فبينما تواظب القنوات الفضائية العربية على إغراق مخيِّلة مشاهديها بالمسلسلات والأفلام المستوردة من كل مكان تقريباً مثل: تركيا، والمكسيك، وفرنسا، والبرازيل، والولايات المتحدة، وأستراليا، وكندا، والهند، وإيران، لكنها لم تلتفت أبداً إلى دراما جارة قريبة لنا، على غنى السينما والأعمال التلفزيونية الروسية ذات السّمات الخاصّة لكونها لا تذهب كثيراً في تقليد طريقة هوليود الأمريكية في الطرح والمضمون وحتى في المونتاج والتصوير.. ولا يقتصر الغياب الروسي عن المشاهد العربي في الأفلام والمسلسلات، بل يتعدى ذلك إلى غياب شبه كامل عن القنوات الفضائية المتخصصة بالأطفال؛ إذ بالكاد نشاهد رسوماً متحركة للأطفال روسية الإنتاج.. وهنا لا نجامل ولا نتعدى حدود الحقيقة حين نقول: إن رسوم الأطفال الروسية، وأيضاً تلك التي تعود إلى الحقبة السوفييتية، تختلف كثيراً عن مثيلاتها اليابانية والأمريكية الأوسع انتشاراً في المنطقة العربية، ومصدر الاختلاف هنا الاهتمام ببناء شخصية الطفل عبر تقديم متعة وفائدة لا يجري تبديدها عن تغليب رسالة العنف واللامعنى؛ التي يتّصف بها كثير مما تعرضه قنوات الأطفال العربية. وحال روسيا في هذا المجال يشبه إلى حدٍّ كبير حال الكوريتين والصين وألمانيا، وإلى حدٍّ أقلّ حال فرنسا، لكنّ الكوريين والصينيين والألمان باتوا يخصّصون عبر قنواتهم الموجّهة إلى منطقة الشرق الأوسط ساعات لبَثّ الأغاني والأفلام والمسلسلات المحلية مترجمةً أو مدبلجةً إلى اللغة العربية، فيما تكرّس القنوات الفضائية الروسية الناطقة بالعربية كل جهدها للأخبار السياسية وللأفلام الوثائقية، وهذه كلها لا تقع في مرتبة الاهتمام الأول للمشاهد العربي العادي الذي باتت الدراما التلفزيونية من أهمّ وسائله لتمرير الوقت..
ورغم أنّ روسيا أنتجت في العام الفائت حوالي (80) فيلماً سينمائياً، وتخطط في هذه السنة لزيادة دعمها لصناعة السينما بمبلغ (160) مليون دولار، إلا أنّ الغريب هو أن خمسة من الأفلام المنتَجة تمكّنت فقط من تغطية نفقاتها. والاستغراب الأكبر لأنّ تلك الأفلام ظلّت محصورة للعرض في روسيا أو في المهرجانات السينمائية، رغم وجود عشّاق لهذه السينما يُعَدّون بالملايين على مساحة الأرض وعرضها. هكذا تبدو السينما والدراما التلفزيونية الروسية عالماً مجهولاً بالنسبة إلى المشاهد العربي الذي يعاني تخمةً من أفلام الأكشن والرعب الأمريكية. وتبدو هذه الحقيقة جزءاً من محاولة فرض ثقافة القطب الواحد بعدما جرت خلال السنوات العشرين المنصرمة محاولاتٌ لفرض نظام عالمي أحادي القطب.. وللأسف فإن المُشاهد العربي لا حول له ولا قوة في تقرير ما تبثّه الفضائيات العربية، وكأنّ الأمر يشبه الموضة الدارجة؛ فتارة يغمرونه بالدراما المكسيكية، وتارة أخرى بالدراما الصينية والهندية.. فإلى متى ستظل الدراما والسينما الروسية مجهولة بالنسبة إلينا..؟ سؤال برسم القيّمين على الفضائيات العربية.
|