|
سامر إلياس
أعلن رئيس الوزراء الروسي فلاديمير بوتين، في منتصف الشهر الحالي، أن العمل على مدِّ الجزء البحري من خط أنابيب ''نورد ستريم''، ''السيل الشمالي''، لنقل الغاز من روسيا إلى ألمانيا سيبدأ في نيسان/أبريل المقبل. تصريحات بوتين تأتي بعد إزالة آخر العقبات التي اعترضت بدء العمل في المشروع المذكور، مع موافقة سلطات البيئة المحلية الفنلندية على مدِّ خط الأنابيب في المياه التجارية. وكانت اعتراضات بيئية، وأخرى سياسية، واقتصادية عطلت مد خط ''نورد ستريم'' لسنوات، رغم أهميته التي اتضحت في السنوات الأخيرة لضمان أمن الطاقة في شمال أوروبا، وفي كل القارة عموماً.
التخطيط للمشروع بدأ في خريف العام 2005، ما يدحض ادعاءات أنه بديل عن خطوط نقل أخرى، لكن بناءه أضحى أكثر إلحاحاً مع مشكلات ترانزيت الغاز إلى أوروبا التي بدأت في شتاء العام 2006 مع أوكرانيا، وتوالت في العام الذي تلاه مع بيلاروسيا، ولم تنقطع حتى بداية العام الحالي، مع المخاوف من ألا تتمكن كييف من تسديد أثمان كميات الغاز من شركة ''غازبروم'' الروسية، وباتت المخاوف من قطع إمدادات الغاز تقليداً سنوياً يتكرر مع البرد القارس والاحتفالات بأعياد الميلاد ورأس السنة.

ولعل أهمية ''نورد ستريم'' تكمن في أنه يربط المنتج بالمستهلك مباشرة دون وسطاء، وهو يفتح على شراكة حقيقة بينهما، تبدأ من الاستثمار في البحث واستكشاف حقول جديدة، وتمتد إلى إنتاج الغاز وتطوير الحقول، ومدِّ خطوط الأنابيب، انتهاء بالتوزيع على المستهلك النهائي من مؤسسات لتوليد الكهرباء. ولم يخفِ القادة الروس أهمية المشروع، ففي أول زيارة خارجية له إلى ألمانيا، عقب توليه الحكم، أكد الرئيس الروسي ديمتري ميدفيدف أن ''نورد ستريم'' يشكل جزءاً مهماً من التعاون مع ألمانيا، حينها شدد ميدفيدف أن المشروع يراعي مصالح الجميع في شكل متوازن، ويؤمن إمدادات طاقة مضمونة، ويسهم في تحقيق أمن الطاقة في كل القارة الأوروبية.
وعلى رغم اعتراض دول البلطيق، وجاراتها الأسكندنافية، الذي عطل المشروع سنوات، إلا أن روسيا أتمت البنية التحتية في الجزء البري الواقع في روسيا، وافتتحت حقولاً جديدة لإنتاج الغاز مثل: ''يوجني روسكي'' في مقاطعة ''يامال'' غربي روسيا، وأدخلت شركات ألمانية وهولندية للاستثمار في الحقل المذكور، وتنوي رفع إنتاجه إلى (25) بليون متر مكعب من الغاز سنوياً، ليغطي جزءاً مهماً من نحو (55) بليون متر مكعب من المزمع تصديرها عبر خط ''السيل الشمالي''.
ولإضفاء نوع من العالمية على المشروع دخلت غازبروم في شراكة مع توتال لاستثمار حقل''شتوكمان'' العملاق على بحر البارينتس حتى تتمكن من تأمين كافة حاجات الخط الجديد من حقول جديدة. وفي الشركة المشغلة والمكلفة لبناء''نورد ستريم'' سمحت روسيا لشركتي ''إيون'' و''باسف'' الألمانيتين الاستحواذ على نسبة من المشروع، ودخلت أيضاً شركة''غازوني'' الهولندية كمساهم، وأبقت الباب مفتوحاً من أجل مشاركة''غاز دي فرانس سويز'' في المشروع. ولعل إصرار روسيا وألمانيا على أهداف المشروع الاقتصادية شكل عاملاً مهماً في تفنيد اعتراضات فنلندا والدنمارك والسويد على ''نورد ستريم''، وتحديد تاريخ تقريبي لضخ الوقود الأزرق فيه في خريف العام المقبل، من فيبورغ الروسية إلى غرايفسفلد الأمانية بطول (1233) كيلومتراً عبر قاع بحر البلطيق.
وأخيراً فإن استثمارات روسيا في تطوير حقول جديدة للغاز والنفط، وخطوط الأنابيب للنقل، رغم التوقعات المتشائمة للطلب على الطاقة على المدى المتوسط، تؤكد مرة أخرى اهتمام الكرملين في ضمان أمن الطاقة العالمي، وعدم الوصول إلى مرحلة يصبح فيها المعروض أقل من المطلوب في سوق الطاقة بعد تعافي الاقتصاد العالمي، ولعل الأهم هو التخلص من المشكلات مع دول الترانزيت عبر شراكة متكاملة مع المستهلكين، وتفنيد الاتهامات باستخدام سلاح الطاقة في وجه أوروبا.
سيمتد »نورد ستريم« لمسافة 1198 كلم عبر قاع بحر البلطيق بين ميناء فيبورج الروسي وميناء جرايفسفالد الألماني، وسيبدأ إنشاؤه في الربع الأول من العام الجاري، وسيمتد فرع منه إلى السويد، على أن يمتد بعد ذلك عن طريق البر إلى هولندا وسيعبر بحر المانش لتزويد بريطانيا بالغاز الروسي. ويتوقع أن يبدأ تشغيل خط الغاز في العام 2011 وتصل قدرته التصديرية إلى 27 مليار و500 مليون متر مكعب سنويا، على أن يبدأ الخط الثاني في العام 2012 ليتضاعف حجم الغاز الروسي المصدر من خلاله.
|