|
أندريه ستيبانوف
أصبح مبتذلاً التأكيد على أن العملية السلمية في الشرق الأوسط قد ارتطمت بجدار صلب، وليس بجدار الفصل الذي شوه الأراضي الفلسطيني فحسب، بل أيضاً بجدار سياسي. ومنذ كانون الأول/ ديسمبر العام 2008، مع بدء العملية العسكرية الإسرائيلية ضد قطاع غزة، توقفت المفاوضات، التي لم تكن مثمرة حتى دون الحرب على غزة، بين السلطة الوطنية الفلسطينية وإسرائيل.
في إسرائيل، بعد حكومة أولمرت، أتت حكومة نتنياهو اليمينية المتطرفة، المهتمة أقل من سابقتها بكثير في تحقيق حل سلمي عادل، وحسب تعبير السياسي الإسرائيلي المؤيد للسلام يوري أفنيري، أصبحت جولات جورج ميتشل مبعوث الرئيس الأمريكي إلى المنطقة مثل قفز كنغر بحقيبة فارغة، يتنقل بين دول المنطقة دون أن يتمكن حتى الآن من التوصل إلى أي صيغة موفقة. حتى الرئيس باراك أوباما الذي أعلن تسوية النزاع في الشرق الأوسط واحداً من أهم توجهات سياسته الخارجية، وأيد في بادئ الأمر شعار الفلسطينيين حول الوقف التام لبناء المستوطنات اليهودية كشرط للعودة إلى المفاوضات، اضطر للاعتراف بأنه أخطأ في تقويم إمكانياته ولم يقدر مدى تعقيد الموقف
.

ويبدو أن المقصود من الإمكانيات الضائعة المحاولات الأمريكية الفاشلة في ممارسة الضغط على إسرائيل، وفي مواجهة اللوبي الإسرائيلي القوي. والآن اختارت الإدارة الأمريكية، لتحفظ ماء الوجه، الضغط على الطرف الأضعف والأكثر طواعية، أي السلطة الوطنية الفلسطينية، كي تعود من جديد إلى طاولة المفاوضات مع إسرائيل، ولكي تعلن الإدارة الأمريكية عن نجاحها وإن كان فارغاً وبسيطاً.
خلال جولته الأخيرة على دول المنطقة اقترح ميتشل مجموعة خطوات مؤقتة، من شأنها تخفيف حدة التوتر، والمساهمة في خلق أجواء من الثقة بين الأطراف.
من بين تلك الخطوات سحب العدد الأكبر من الحواجز الإسرائيلية في الضفة الغربية، وإطلاق سراح عدد معين من المعتقلين الفلسطينيين في السجون الإسرائيلية، وتقديم المساعدة الاقتصادية للسلطة الوطنية الفلسطينية، وتخفيف الحصار على قطاع غزة. وعلى أساس التصريحات الأخيرة لمحمود عباس، يبدو أن السلطة الوطنية الفلسطينية قد تقبل بالعودة إلى طاولة المفاوضات في حال أعلنت إسرائيل عن وقف الاستيطان، ولو لمدة ثلاثة أشهر، في الضفة الغربية والقدس الشرقية، وبأن توافق إسرائيل من حيث المبدأ على الاعتراف بخط العام 1967 كأساس للحدود بينها وبين فلسطين، مع تبادل للأراضي فيما بعد. لكن من المستبعد أن تقبل إسرائيل بهذه الشروط. في غضون ذلك يصر محمود عباس على أنه في حال رُفضت شروطه هذه فلن يُرشح نفسه للانتخابات الرئاسية القادمة في السلطة الفلسطينية، ليحرم بهذا إسرائيل والولايات المتحدة من شريك قادر على التفاوض أكثر من غيره.
الآن يشعر الفلسطينيون وأصدقاؤهم بالقلق حيال مسألتين رئيسيتين: هل ستتم المصالحة بين فتح وحماس، وهل سيذهب محمود عباس إلى المفاوضات مع حكومة نتنياهو؟ وإن ذهب فضمن أية شروط؟ إلا أن المصالحة والعودة إلى المفاوضات تتعارضان وتلغي واحدة الأخرى. إذ هددت الولايات المتحدة محمود عباس بأنها ستوقف كل المساعدات التي تقدمها للسلطة الوطنية الفلسطينية إن تم التوصل إلى مصالحة بين فتح وحماس. بالنسبة لإسرائيل فإنها قد توافق ضمن صيغة ما على العودة إلى المفاوضات مع السلطة الوطنية الفلسطينية. وهذا لا يهدد إسرائيل بأي شكل. لأنه وفق التقاليد الإسرائيلية يمكن للمفاوضات أن تراوح مكانها أشهراً وسنوات، وتعطي بذلك فرصة لتسريع وتيرة تنفيذ الاستعمار اليهودي للأراضي الفلسطينية.
لن يُخرج الوضع من الحالة التي وصل إليها، ويفرض السلام على إسرائيل، إلا بالجمع بين عدة عوامل، منها بالدرجة الأولى تحرك سلمي فلسطيني شامل ضد الاحتلال، ومساعدة العالمين العربي والإسلامي لهم، وأن يتضامن مع الشعب الفلسطيني كل من يُثَمّن ويُقَدر مُثل التحرر الوطني والديمقراطية والتطور.
|