|
أيمن الدقر
يرى العديد من الخبراء الاقتصاديين والسياسيين العرب أنه بات من الضروري إعادة النظر في اتفاقيات الشراكة الاقتصادية والتجارية الموقعة بين بعض الدول العربية والاتحاد الأوروبي، وذلك على ضوء ما بينته الأزمة الاقتصادية والمالية العالمية، والإشكالات التي ترافق الانتقال إلى اقتصاد السوق، وفي هذه المادة حول اتفاقية الشراكة السورية-الأوروبية نقدم نموذجاً للملاحظات، وهي تنطبق على العديد من الدول العربية بحكم تشابه البنية الاقتصادية.
 جاء تأجيل التوقيع على اتفاقية الشراكة السورية الأوروبية على الأغلب من أجل حماية المصالح الاقتصادية للسوريين على وجه الخصوص والمصالح الاقتصادية للبلاد على وجه العموم، إذ إن سورية، بعد أن دخلت مرحلة الاقتصاد الاشتراكي لمدة تزيد عن أكثر من ثلاثين عاماً، ليس من السهل عليها أن تنتقل هكذا وبسرعة إلى مرحلة أخرى معاكسة تماماً لما كانت عليه، أي اقتصاد السوق الحر بكل معطياته وتجلياته ونتائج العرض والطلب المحكوم فيها، خاصة أن سورية قد لحظت ما آلت إليه الحال الاجتماعية والاقتصادية في بعض دول أوروبا الشرقية عندما انتقلت من النظام الاشتراكي إلى نظام اقتصاد السوق، وما ترتب على تلك النقلات من أزمات حادة طالت الجانب الاجتماعي لسكان أوروبا الشرقية، فجعلت غالبيتهم يترنحون على حافة الفقر والعوز، نتيجة للسرعة في الانتقال أولاً، وعدم تعديل وتحديث القوانين السائدة بما يتناسب والنقلة من أسلوب لآخر يعاكس الأول كلياً ثانية، ولذلك فقد سمّت سورية هذه النقلة في السياسة الاقتصادية بـ (اقتصاد السوق الاجتماعي) وركزت على الجانب الاجتماعي مطولاً، والجدير ذكره أن سورية كانت تختلف عما كانت عليه دول المنظومة الشيوعية من حيث البنية والقوانين الاقتصادية، فعلى عكس المنظومة الشيوعية كان القطاع الخاص ناشطاً في سورية، وكان يؤدي دوراً مهماً في بناء الاقتصاد الوطني جنباً إلى جنب مع دور الدولة، وكان يقبع القطاع الخاص فيها تحت رقابة صارمة سواء من حيث قانون التعرفة الجمركية أم من حيث تحديد أسعار ونوعية المواد المستوردة ومدى قدرة المواطن السوري على شرائها، وكانت أغلب الضروريات إن لم نقل جميعها خاضعة للدعم الذي تقدمه الحكومة بهدف توفيرها بالأسواق بأسعار يستطيع المواطن السوري الحصول عليها، وبالتالي فقد كان الدعم الحكومي يؤدي إلى منع القطاع الخاص من السيطرة على أسعار المواد الضرورية ويحارب احتكارها، وتحديد سعرها وفقاً لقانون العرض والطلب، بالنسبة للمواطن.
وبرأيي أن المسائل التقنية التي حددها الجانب السوري كأسباب لتأجيل التوقيع على الشراكة هي أسباب منطقية من أولوياتها ضرورة دراسة السوق السورية بشكل أفضل، من حيث الحاجة لاتفاق شراكة كهذا وبهذه السرعة، ومدى قدرة الصناعات السورية على الصمود أمام المستوردات المماثلة (خاصة أن الدراسات التي سبق أن أجريت كانت قبل حوالي خمس سنوات توقف فيها توقيع الاتفاقية بسبب الجانب الأوروبي، وتغير شكل الاقتصاد خلال السنوات الخمس الماضية) إضافة إلى بعض القوانين والتشريعات التي تحتاجها التجارة والصناعة السوريتان لتساعد على منافسة البضائع القادمة إلى السوق السورية، وتفتح الآفاق أمام الصناعيين والتجار السوريين، ودراسة القدرة الشرائية للسوريين، إضافة إلى ضرورة تأمين حماية حاجياتهم من المواد الضرورية أو الإستراتيجية من سيطرة العرض والطلب، خلال المرحلة الانتقالية على الأقل.
ومجمل الأحوال تشي بأن توقيت اتفاقية الشراكة مع الاتحاد الأوروبي قد لا يكون في مصلحة اقتصاد البلاد في الوقت الحالي، وإلا لكانت سورية قد وقعت على الاتفاق، وتشي أيضاً بأن الظروف السورية غير مهيأة للتعامل مع متطلبات هذه الشراكة، وأن التأني في دراسة مجمل الاتفاقية وتفصيلاتها أفضل من الإسراع في توقيعها خاصة أن الاتفاقية لو وقعت لا يمكن تعديلها من قبل أي سلطة أوروبية، وطنية، أو فوق وطنية، خلال مرحلة المصادقة عليها
|