|
لعلّ أول ما يمكن تسجيله مع انتهاء الانتخابات الرئاسية الأوكرانية، أنها جرت بنزاهة، خلافاً للمرات السابقة. وبالتالي فوز فيكتور يانوكوفيتش واقعي، ما دفع الاتحاد الأوروبي وواشنطن الى تهنئته واعتبار هذه الصفحة طي الكتمان. بمعنى أن السنوات الخمس الماضية، من الثورة ''البرتقالية'' فحكم الثنائي يوشنكو – تيموشنكو في رئاستي الدولة والحكومة، تميزتا بعدم الاستقرار السياسي، ناهيك عن أن الرئيس المنتهية ولايته أكثر ما نجح فيه هو تخريب العلاقات مع الجارة الأقرب، وفشل في تكريس نفسه، ونهجه، عاملاً جامعاً لشعب أوكرانيا.
 بل ''نجح'' يوشنكو في استثارة أزمة الغاز في أوروبا لعامين متتاليين، حيث مارس أساليب قطاع الطرق بسرقة الغاز الروسي المار عبر الأراضي الأوكرانية الى بلدان أوروبا الغربية في ما عرف بـ''حرب الغاز''، ناهيك عن نزعته العارمة للحصول على بطاقة العضوية في حلف الناتو. ليس القصد من هذا العرض ''الشماتة'' بفشل يوشنكو في الانتخابات، حيث لم يحصل على أكثر من 5% من الأصوات، بل للإضاءة على العبر التي استخلصها الناخب الأوكراني بنفسه وعكَسَها في صندوقة الاقتراع، ''ساعده'' في ذلك الغرب الذي آثر عدم تمويل ''البرتقاليين'' كما قبل خمس سنوات. وكذلك موسكو لم تراهن هذه المرة على أي من المرشحين. ومع ذلك فاز ''المفضّل'' لديها يانوكوفيتش، وإن كانت قد بقيت على مسافة واحدة من مرشحَي الدورة الثانية (تيموشنكو، يانوكوفيتش)، طالما أن الاثنين اعتمدا شعاري عدم انضمام أوكرانيا الى الناتو، وإعادة بناء العلاقات مع روسيا.
واليوم، مع صدور هذا العدد يكون يانوكوفيتش قد تقلد رسمياً مهامه الرئاسية، ليشرع في حل القضايا الماثلة أمام أوكرنيا في الداخل، وإعادة صياغة السياسة الخارجية.
وواقع الأمور يقول أنه لا الناتو ولا الاتحاد الأوروبي ينتظران ضم أوكرانيا الى أحضانهما. وجلَّ ما يريده هذا الجوار أن تخرج أوكرانيا من دائرة الخضات السياسية. والانتخابات الأخيرة لن تغيّر لا توجهات الغرب (الناتو) ولا توجسات الشرق (روسيا). بل جلّ ما يؤمل، وينبغي، أن تحمله هو الاستقرار الى هذه البقعة، بحيث لا تبقى مادة تشنج أخرى في علاقات الغرب بروسيا.
وهذا ما يدركه الرئيس المنتخب بامتياز. إذ حددت تصريحاته الأولى ثلاث قوى لها الأولوية في سياسة أوكرانيا الخارجية: الاتحاد الأوروبي وروسيا والناتون، ناهيك عن تصريحاته الودية إزاء روسيا بغرض التعويض عن الخلل الذي أصاب هذه العلاقات في فترة حكم سلفه. ''لا انضمام الى حلف الناتو'' و''نعم لدخول أوكرانيا الى الاتحاد الجمركي الذي يضم روسيا وبيلاروسيا وكازخستان''. وهذه المسألة السياسية تنطوي على مطبات اقتصادية وعقبات، إذ تتطلب إعادة صياغة الاتفاقات المنجزة حتى الآن بين دول الاتحاد، في حين أن أوكرانيا من أكثر دول العالم معاناة من الأزمة الاقتصادية المالية، وقد لامست حدّ الإفلاس التقني. وبالتالي عليها مداواة جراحها الاقتصادية قبل أن تخرج الى آفاق تجمعات اقتصادية إقليمية.
|