|
هل من مخرج للتسوية من الدرب المسدود؟ |
|
أندريه ستيبانوف تمرّ مبادرة السلام الأمريكية الجديدة الخاصة بمنطقة الشرق الأوسط بمخاض عسير، ويبقى حتى اللحظة غير واضح ما إذا كانت هذه المبادرة -في الأصل- سترى النور أم لا. ومن الممكن أن إعلان أوباما عن التقارب مع العالم العربي- الإسلامي، وحزمه لحلّ الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي الموغل في القدم، قد شكّلا عوامل هيأت الأجواء لمنحه جائزة نوبل للسلام، إلا أنها لم تحرّك عملية التسوية في المنطقة قيد أنملة حتى الآن، زِد على ذلك المحادثات الثلاثية أوباما- عباس- نتنياهو في نيويورك، التي لم تتمكن من تحقيق أي تقدم، بل زادت من تعنّت إسرائيل. لقد آمن نتنياهو بقدرته على مواجهة الضغط الأمريكي الذي يطالبه بوقف كل أشكال النشاط الاستيطاني في الأراضي الفلسطينية، كشرط للعودة إلى المفاوضات، وبدلاً من الرضوخ لهذه الضغوط ما زال رئيس الحكومة الإسرائيلية مستمراً بتوسيع المستوطنات اليهودية غير القانونية. في غضون ذلك يفقد الرئيس محمود عباس يوماً بعد الآخر مكانته بين الفلسطينيين، لأنه علّق الكثير من الآمال على إرادة أوباما الطيبة ومواقفه من التسوية، بينما لم يأت كل هذا بأية نتائج ملموسة على أرض الواقع. وزادت الأمور تعقيداً عندما أعلنت وزيرة الخارجية الأمريكية تخلّي الولايات المتحدة عملياً عن مواقفها السابقة، وتتحدث الآن عن ضبط النفس الذي يجب أن يبديه نتنياهو في النشاط الاستيطاني، وضرورة العودة إلى طاولة المفاوضات دون شروط مسبقة. لقد تلاشت الآمال التي علّقها الفلسطينيون على الرئيس الأمريكي الجديد، ويعيشون الآن ومعهم كل العرب خيبة أمل عميقة. حكومة اليمين المتطرّف بزعامة نتنياهو تتعنّت مثل حصان يعضُّ الرسن ويصر في السير على هواه. وهي تتحدى المجتمع الدولي علانية؛ الاحتلال الوحشي للضفة الغربية مستمر، كما أن الحصار البربري لقطاع غزة مستمر. وفي هذه الأثناء أقامت إسرائيل الدنيا ولم تُقعِدها في ردّ فعلها على تقرير لجنة هيئة الأمم برئاسة غولدستون، الذي يتهم الجيش الإسرائيلي بارتكاب جرائم بحق الإنسانية خلال عملية (الرصاص المسكوب) في قطاع غزة. وقد وافقت الأمم على نصّ التقرير، الأمر الذي يزيد من عزلة إسرائيل دولياً. استعادة الفلسطينيين وحدة صفوفهم من شأنها أن تتحول إلى خطوة تقوي من الضغط الدولي على إسرائيل. لكن -بكل أسف- وافقت حركة فتح فقط على خطة المصالحة المصرية، بينما تتعمّد حركة حماس -مرة أخرى- المماطلة في توقيع خطة المصالحة، لهذا أقدم محمود عباس على خطوة يائسة لإنقاذ الوضع المنحدر نحو الهاوية، وصرّح بعزمه على عدم الترشح لانتخابات رئاسة السلطة الوطنية الفلسطينية المتوقعة مطلع العالم القادم. قرار عباس هذا إشارة احتجاج، ونوع من الرد على الضغوطات التي تُمارس ضدّه. بشكل عام تجد المنطقة نفسها مرة أخرى أمام مأزق لا مخرج منه، وإن وُجد المخرج فقد لا يكون دقيقاً. و يشير عدد من المراقبين إلى أنه يبقى لدى البيت الأبيض -على الرغم من تجنّبه ممارسة الضغط المباشر على تل أبيب- ما يكفي من القوة والأدوات للتأثير في موازين القوى في إسرائيل، لدرجة أن حديثاً يدور هناك عن وجود (لوبي) موالٍ لأمريكا يتمتع بنفوذ في إسرائيل، على غرار اللوبي الداعم لإسرائيل في الولايات المتحدة. ويكفي أن نتذكر نهاية التسعينيات عندما أظهر نتنياهو عناداً مفرطاً في تعامله مع رعاة ما وراء المحيط. حينها طفَت فجأة على السطح فضيحة تعاطيه مع صلاحياته واستغلاله لها، الأمر الذي دفعه ليستقيل من منصبه. للحياة السياسية في إسرائيل خصوصيتها؛ حيث يمكن تجميع ما يكفي من المآخذ القذرة على كل شخصية سياسية قيادية للتشكيك بمستقبلها المهني. وإذا توصل البيت الأبيض إلى قناعة أنه لا يوجد أفق في التعامل مع نتنياهو، فلا يمكن استبعاد إمكانية تكرار التجربة السابقة في إبعاده عن السلطة. وإذا طالت الخلافات بين الولايات المتحدة وإسرائيل، لا يُستَبعد أن يبدأ الفلسطينيون المدفوعون نحو اليأس انتفاضة جديدة. وفي هذه الحال قد تنخرط في النزاع قوى إقليمية أخرى. أمّا إسرائيل فإنها _انطلاقاً من أمنها الذي قد يجد نفسه أمام تهديد واقعي_ قد تذهب إلى محاولة استفزازية متطرّفة بإشعال حريق واسع النطاق في المنطقة. عندها لن يشعر أحد بالسعادة، ولاشك بأن المصالح الأمريكية ستتضرر جرّاء هذا الحريق. ربما من الأفضل عدم دفع الأمور نحو هذه النتيجة المأساوية.
|