|
حركة التثاقف العربي–الروسي.. الأدب أنموذجاً |
|
مؤيد حسن من الواضح أن بين العرب والروس ماضياً ثقافياً مشتركاً يصلح لأن يكون أساساً تبنى عليه الكثير من التشاركيات سواء الثقافية منها أم السياسية والاقتصادية، إذ يرجع تاريخ العلاقات العربية الروسية إلى زمن الدولة العباسية؛ حيث تبادلت الدولة الإسلامية السفارات مع روسيا. وهناك من يقول: إذا أردت التعرّف إلى أمة ما، فاقرأ أدبها بلغتها. ومن هنا لا يخفى على الناظر في الأدب الروسي تأثّر الكثير من الأدباء الروس باللغة العربية والدين الإسلامي وعلى رأسهم شاعر الشعب ألكسندر سيرغيفج بوشكن الذي ينسج قصائده مستفيداً من الكثير من المصادر الإنسانية، وأهمها (القرآن الكريم) الذي أضاء درب قصائده ودرب الحرية التي يصبو إليها. درس بوشكين القرآن بنسخته المترجمة إلى اللغة الروسية دراسة مكثفة حتى أصدر قصيدة له بعنوان (محاكاة القرآن) وهي قصيدة طويلة أشبه بشرح للقرآن الكريم مؤلفة من /174/ شطراً، يقول في مطلعها: أقسم بالشَفع و بالوَتر أقسم بنجمة الصبح أقسم بصلاة العصر . وقد أُعجب بوشكن أيضاً بالحكاية العربية وبالتاريخ والحضارة العربية، حتى إنه نظم قصيدة مستوحاة من الإنسان العربي أسماها (محاكاة عربي) يذكر فيها كلمات أو أسماء عربية فيقول:
ذات مساء هجرتني ليلى دون اكتراث فقلت لها : قفي إلى أين؟ فأجابتني معترضة : لقد شاب رأسك وكثيرٌ هم الأدباء الروس الذين ساروا على خطى العربية إعجاباً وتأثراً بها من أمثال الشاعر والكاتب (تشيرنيشيفسكي) الذي حاكى قصص ألف ليلة في مطولته الفنية الرائعة "قصة في قصة" حيث قال عنها في مذكراته: إنها "خرجت مباشرة من حبي لحكايات ألف ليلة وليلة الرائعة" . وعلى الضفة المقابلة نرى الاهتمام العربي بالأدب الروسي؛ إذ إن كثيراً من جامعاتنا تدرّس المذاهب الأدبية الروسية وتطبقها على الأدب العربي؛ كمذهب الشكلانية الذي أثبت جدارته في الشعر العربي. لقد كان هذا التمازج العربي الروسي نافعاً على صعيد الأدب، ولم لا وهو منه أنفع على الصعيد السياسي؛ فما المانع من أن نتبادل الخبرات مع الجانب الروسي على مختلف الصُعُد؟ إذ إن العلاقات التاريخية العربية الروسية المشتركة تشكّل أهم عناصر التحالف بين الطرفين في جميع المجالات. من هنا كان من المنطقي أن نرعى هذه العلاقة التي ضربت جذورها في تاريخنا وظللت فروعُها حاضرنا لنصل بها إلى المستقبل.
|