|
الشراكة وجدار القطبية الأحادية |
|
عمود مؤشرات سياسية عامر راشد مثّل الإخفاق السياسي والاقتصادي لإدارة المحافظين الجدد برئاسة بوش الابن واقعاًً جديداً في النظام العالمي، يدفع بقوة لوضع خاتمة لسيرورة فشل دامت عشرين عاماً من القطبية الأحادية الأمريكية، ويشكّل هذا حافزاً قوياً لتحفيز المطالبات المتكررة بإصلاح حقيقي للعلاقات والمؤسسات الدولية، بما يضمن علاقات شراكة في حل النزاعات والقضايا التي تهدد السلم والأمن العالميين، إلا أن تأرجح سياسات الإدارة الأمريكية برئاسة أوباما يشير إلى أنها لم تحسم أمرها بعد إزاء الشروع في عملية تقويم شاملة للتخلص من إرث الإدارة التي سبقتها، وعلى ضوء تآكل وعود إدارة أوباما تبرز مخاطر جدّية لاحتمال عودة السياسات الخارجية الأمريكية إلى مربع سياسات إدارة بوش الابن، مع تعديلات من الناحية الشكلية تعطيها صيغاً (ألطفَ وأنعمَ)، حتى تعبر المرحلة الانتقالية والملتبسة التي تمر بها السياسات الكونية الأمريكية، وتعيد ترتيب أجندتها لإحكام قبضة الأحادية من جديد. ولابد من الاعتراف بأن فسحة الاختيار أمام إدارة أوباما ليست واسعة، لكن في الوقت ذاته لا يمكن المراهنة على تغيّر جذري في الإستراتيجيات الأمريكية بناء على العامل الذاتي الأمريكي وحده، ويجب عدم الركون إلى المبالغة في تصوير وجود رغبة عارمة لدى إدارة أوباما في التغيير لإنقاذ سمعة الولايات المتحدة والحفاظ على مكانتها، فالتغيير يحتاج إلى ميزان قوى دولي يكسر فلسفة السياسات الأمريكية القائمة على براغماتية نفعية وفجة لا ترى سوى مصالح واشنطن، ومن حيث الجوهر لم تقدّم إدارة أوباما بعدُ رؤيةً جديدة تدفع للتفاؤل بنقض هذه السياسة، التي كانت حصيلتها المتراكمة إخفاق عقيدة زعمت أن (أمركة العالم) هي الوصفة السحرية لاختزال نهاية التاريخ، ببسط قوانين راديكالية السوق الحرة والسيادة الأبدية لـ(نادي الدول الأغنى والأقوى)، وإخراج الدول الفقيرة وشعوبها من التاريخ. ولذلك تنطوي أي مساومة غير مبدئية مع السياسات الملتبسة لإدارة أوباما، على مقامرة قد تضيع الفرصة التاريخية السانحة لتفكيك بنية نظام القطبية الأحادية، من خلال استغلال تضعضع أركان عقيدة الهيمنة الأمريكية وتراجعها إلى مواقع دفاعية. إن نتائج عقدين من القطبية الأحادية الأمريكية شكّلت دروساً مؤلمة للبشرية، ويتوقف الكثير على نجاح المجتمع الدولي في الضغط على إدارة أوباما، ولا يكفي شجب السياسات الأمريكية السابقة والانفتاح على إدارة أوباما لتشكيل نموذج تاريخي جديد للعلاقات الدولية يتمتع بمزيتي الاستقرار والتكافؤ، بل يجب مواجهة الترِكَة الفعلية لسياسة الهيمنة، وهذه هي المسألة المفتاحية في بناء نظام دولي متعدد الأقطاب، وإلا فإن أفق إصلاح نسق الميزان الدولي سيتقلص بشدة وقسوة، وبالتالي سيدفع العالم ثمناً مضاعفاً إذا ما أعادت إدارة أوباما إنتاج السياسات الأمريكية السابقة، وهناك أكثر من اختبار لا يحتمل التأجيل، ولا سيما فيما يتعلق بالتسوية السياسية في الشرق الأوسط ومعالجة الملفين النوويين الإيراني والكوري الشمالي، وإنقاذ الاقتصاد العالمي من أزمته العميقة والشاملة.
|