دبلوماسية الغاز الروسي تكسر التبعية لدول العبور

سامر إلياس
حققت روسيا اختراقات مهمة تدفع بمخططاتها لتنويع مسارات إمداد الغاز الطبيعي إلى أوروبا، وتكسر احتكار جارتها أوكرانيا لخطوط عبور الغاز نحو الغرب، حيث بات انتقال مشروع السيل الشمالي "نورد ستريم" من مرحلة التخطيط إلى التنفيذ وشيكاً بعد موافقة السويد وفنلندا والدانمرك على بناء خط الأنابيب عبر مياهها الإقليمية والتجارية في قاع بحر البلطيق.
وفي خطوة تمثل انقلاباً لافتاً في سياسة الطاقة الروسية بحث رؤساء وزراء روسيا وإيطاليا وتركيا الشهر الماضي مدَّ خط أنابيب السيل الجنوبي "ساوث ستريم" عبر الأراضي التركية ومنها إلى البلقان لتصل إلى النمسا شمالاً وإيطاليا جنوباً، وسمحت إثرها تركيا ببدء عمليات البحث والاستكشاف الجيولوجي على أراضيها لمد الخط المذكور. وانضمت ثلاث شركات روسية إلى مشروع بناء خط نفط "سيمسون ـ جيهان" الذي يربط سواحل البحر الأسود بسواحل البحر المتوسط، وصرح نائب رئيس الوزراء الروسي إيغور سيشين المسؤول عن قطاع الطاقة أن موسكو مستعدة لتزويد الخط المذكور بحاجته من النفط لتشغيله مستقبلاً وذلك من نفط قزوين والمناطق الجنوبية الروسية، في مؤشر اعتبره المراقبون تخلياً روسياً عن خط "بوغارس ـ ألكسندروبوليس" لنقل النفط عبر قاع البحر الأسود والأراضي البلغارية إلى اليونان.
كما شهد الشهر الماضي تأسيس شركة روسية_صربية مشتركة للبدء ببناء القاطع الصربي من خط "ساوث ستريم"، ما يمنح بلغراد موقعاً متميزاً كعقدة ونقطة ارتكاز في البلقان لنقل الغاز بدلاً من بلغاريا.
وتوجت دبلوماسية الطاقة التي أدارها رئيس الوزراء الروسي فلاديمير بوتين بانتقال مشروع "السيل الشمالي" إلى حقيقة بعد أربع سنوات من الجمود، وتخطى المشروع حاجزاً نفسياً وإدارياً مهماً بعد موافقة الدانمرك وإتباعها بسماح فنلندا والسويد ببناء خط الأنابيب عبر مياهها الإقليمية، وكانت روسيا اتفقت على تزويد الدانمرك  بنحو ثلاثة بلايين متر مكعب من الغاز سنوياً.
 وفي مؤشر على زيادة التحضيرات لتزويد "نورد ستريم" بحاجته من الغاز وافقت روسيا على زيادة حصة الشركات الألمانية في استثمار حقل "يوجني روسكي" في شبه جزيرة يامال شمال غرب سيبريا، والذي يبلغ حجم احتياطاته المؤكدة (8.5) بليون متر مكعب، ويُعَدّ إلى جانب باقي حقول منطقة يامال المصدر الرئيس للغاز المزمع نقله عبر هذا الخط، وباعت شركة "غاز بروم"  25%  _ ناقصاً ثلاثة أسهم اعتيادية_ من الحقل المذكور لشركة "إيوان" لتملك حصة مساوية لشركة "باسف" التي بدأت في استثمار "يوجني روسكي" بالتعاون مع غاز بروم" في تشرين الأول/ أكتوبر الماضي، ومن المتوقع أن يبلغ إنتاج الحقل  طاقته التشغيلية العام المقبل بواقع (25) بليون متر مكعب سنوياً.
ورغم أن نتائج المباحثات الثلاثية بين رؤساء حكومات روسيا وإيطاليا وتركيا بقيت طي الكتمان إلا أنه من المتوقع أن تكون موسكو قد قررت تغيير مسار "السيل الجنوبي" إلى تركيا بدلاً من بلغاريا التي كان يراهن عليها أن تتحول إلى عقدة ترانزيت النفط والغاز الروسي إلى بلدان جنوب أوروبا.
 وجاء التحول الروسي إثر موقف الحكومة البلغارية الجديدة _ذات التوجه الغربي_ القاضي بإعادة النظر في كل التزامات الطاقة الموقعة سابقاً والانضمام إلى مشروع "نابكو" المدعوم أوروبياً وأمريكياً لنقل الغاز من آسيا الوسطى دون المرور بروسيا، والمطالبة بحقوق إضافية في مشروع "السيل الجنوبي" ومراجعة شروط بناء خط "بوغارس_ ألكسندروبوليس" لنقل النفط من روسيا إلى بلغاريا عبر البحر الأسود ومنها إلى اليونان. وفي المقابل كان الموقف الروسي حاسماً وسريعاً من أجل عدم الإبطاء في مشروع "ساوث ستريم".
ويسجل في هذا الخصوص _رغم  أن روسيا لا تنظر إلى مشروع "نابكو" كمنافس_ أن توقيع "غاز بروم" عقداً مع شركة النفط الأذربيجانية لتوريد (500) مليون متر مكعب سنوياً _وقابلة للزيادة اعتماداً على سلة الأسعار_ يشكل ضربة لمشروع "نابكو" العاجز أصلاً حتى الآن عن توفير الكميات اللازمة لتشغيله، رغم الضغوط الكبيرة التي تمارسها الولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا، ويجمع الخبراء أن فرص نجاح "ساوث ستريم" أكبر بكثير من فرص "نابكو"، لأن روسيا تربطها بنية مشتركة بدول آسيا الوسطى منذ العهد السوفييتي، ولأن  "نابكو" يضم تجمعاً لبلدان الترانزيت والبلدان المستهلكة دون انضمام منتج للغاز حتى الآن، ومن غير المؤكد انضمام تركمانستان إلى المشروع وهي أكبر منتج للغاز في بحر قزوين.
ويبدو أن دبلوماسية الطاقة الروسية النشطة أثمرت اتفاقيات وتفاهمات تتيح لموسكو التخلص من تبعيتها لدول عبور غازها إلى أوروبا ولا سيما أوكرانيا التي تنقل نحو 80% من الغاز الروسي المتجه غرباً، وبعد سنوات من التخطيط اقتربت لحظة تحول "السيلين الشمالي والجنوبي" إلى حقيقة واقعية.
والواضح أن روسيا بتفهم من كبار مستهلكي الغاز في أوروبا استطاعت تنويع طرق إمدادات الغاز إلى القارة العجوز دون المرور بأوكرانيا وبيلاروسيا، ما يعني فشل سياسة استثناء روسيا من خطوط الطاقة وبناء خطوط جديدة دون المرور بأراضيها بالاعتماد على منتجين آخرين من آسيا الوسطى.

بوكس
"نورد ستريم ـ السيل الشمالي"
بدأ التخطيط والعمل في الجزء البري من المشروع في نهاية العام 2005، ويمتد الخط من مدينة فيبورغ الروسية إلى مدينة غرايفسفلد الألماني على شواطئ بحر البلطيق، ويبلغ طوله (1223) كم، ويعبر قاع البلطيق في المياه الإقليمية  لروسيا وفنلندا والسويد وألمانيا.
الطاقة القصوى للمشروع (55) بليون متر مكعب، ويتألف من خطين للطاقة كل منهما (27.5) بليون متر مكعب، ومن المنتظر أن يبدأ العمل على بناء الخط الأول في العام المقبل لينتهي في العام 2011، وأما الخط الثاني فمن المقرر أن ينجز في العام 2013.
الشركة المنفذة للمشروع "نورد ستريم أ غ" وهي ائتلاف مكون من شركة "غاز بروم" التي تملك 51%، وشركتي "إيوان" و"باسف" الألمانيتين بواقع 20% لكل منهما، فضلاً عن شركة "غازوني" الهولندية التي تملك 9%، ومن المنتظر انضمام شركة "سويز" الفرنسية بحصة 9% على حساب الشركتين الألمانيتين بالتساوي. وتقدر كلفة المشروع الإجمالية (7.4) بليون يورو.

 

alt


/var/www/html/ria.html

 


Sections

نشرة 1 - اكتوبر 2009
لتصفح هذه النشرة بالصيغة المطبوعة
نشرة 2 - نوفمبر 2009
لتصفح هذه النشرة بالصيغة المطبوعة
نشرة 3 - ديسمبر 2009
نشرة 4 - فبراير 2010
نشرة 5 - مارر 2010
نشرة 6 - سياسة
نشرة 6 - اقتصاد
نشرة 6 - ثقافة
نشرة 6 - رياضة
.:: Error ::.
Error Description:

Invalid License Key.
Error Code: 102