|
تركيا.. الدور المحتمل من منظور مستقبلي |
|
حسام شحادة أعطت المتغيرات الدولية والإقليمية _في أعقاب انتهاء الحرب الباردة وحرب الخليج الثالثة وعملية التسوية السياسية للصراع العربي-الإسرائيلي، وإعادة إنتاج "الشرق الأوسط الجديد" تحت تسميات وهويات بديلة_ فرصة للقوى الإقليمية المجاورة للمنطقة العربية لأن تنهض على أنقاض حروب بوش الابن لتطالب بدور خاص يتناسب ونفوذها وإمكاناتها وقدراتها على تطويع المتغيرات لمصلحة تعزيز موقعها؛ وهكذا وجدت تركيا نفسها في قلب دوائر جيوسياسية تتشكّل من جديد أمنياً واقتصادياً وسياسياً وثقافياً، وبدت لها في الأفق إمكانية القيام بدور إقليمي محوري في منطقة مفتوحة على انتماءات حضارية وقومية متعددة ومختلفة، دور يتناسب وحجمها ويعوّض عليها دورها المفقود في إطار الاتحاد الأوروبي. إن تعاقب تعثر السياسة الأمريكية الذي أدى إلى فشل تحقيق الهدف الرئيسي للإستراتيجية الأمريكية، وانهيار الشرق الأوسط القديم سبّب فراغاً إستراتيجياً كبيراً أثار شهيّة أطراف محلية وإقليمية ودولية عديدة، وأعطى القوى المختلفة الشعور بهامش أكبر للحركة المستقلّة وممارسة سياسات بديلة، والبحث عن استقطابات لم يكن من الممكن تصوّرها من قبل. وعلى هذا فإن الاندفاع التركي الجديد باتجاه القضايا العربية والشرق أوسطية، لا يعني التخلي عن الخيار الغربي أو الذوبان في الخيار الشرقي، ولكنه يأتي في سياق تقدير موقف ومراجعة دقيقة للحسابات المحلية والإقليمية والدولية، فالنموذج التركي الواعد يبدو هو المرجّح كلاعب رئيسي في المنطقة، ولا سيما أن اللاعب الأكبر في السياسة الدولية المتمثّل بالولايات المتحدة الأمريكية في حالة من التراجع، وأصبح مضطراً لإحالة الكثير من الملفات إلى قوى إقليمية قوية ومقبولة لتقوم بإدارتها بالنيابة. وثمّة تحولات متباطئة تجري في ضوء تحركات تبدو متسارعة لأكثر من لاعب إقليمي ودولي على ساحة حساسة ومعقدة. وملفاتها الساخنة مطروحة على الطاولة بانتظار البحث في تفاصيلها، وتكمن خطورتها في ترابطها الإستراتيجي. ولا شك في أن تركيا تتطلّع لتعزيز دورها المحتمَل كلاعب إقليمي مقبول في هذا الحراك المتسارع، وما يجري من تحولات في تركيا وعدد من دول المنطقة يدلل على إدراك متنامٍ لدى معظم أطراف الصراع في الشرق الأوسط، بأنه لا مصلحة لها في استمرار تسخين الأزمات في العراق ولبنان وفلسطين. وهكذا تدخل التفاعلات الشرق أوسطية - الدولية مرحلة انتقالية سِمَتُها الأساسية مزيد من السيولة وقليل من الاستقطاب. ولن يعود الاستقرار إلى المنطقة إلا إذا توصلت القوى الرئيسية فيها إلى تفاهم إقليمي يخلق إطاراً لتسيير شؤون المنطقة بصورة متّسقة ومتكاملة وتشاركية، وإلى تفاهم أيضاً مع الدول الكبرى ذات المصالح الحيوية في المنطقة. لقد جاء الحضور القوي لتركيا أثناء الحرب الإسرائيلية الأخيرة على قطاع غزة ليفتح الباب على مصراعيه أمام التكهّنات حول آفاق وحدود الدور التركي في القضية الفلسطينية وفي المنطقة ككل، ويبدو أن هذا الدور مرجّح للتطور على أكثر من صعيد، ويؤشر إلى أكثر من احتمال.
|