|
فرنسا الأوروبية.. وصراع الأقطاب |
|
سليمان الدباغ أثارت تصريحات السيد برنار كوشنير وزير الخارجية الفرنسية في مطلع تشرين الثاني/ نوفمبر موجة من التساؤلات، ولا سيما أنها تأتي في وقت تواجه فيه الإدارة الأمريكية تحديات الوفاء بالتزاماتها التي تعهدت بها لناخبيها على الصعيدين الداخلي والخارجي، والأهم في هذا السياق هو السياسات الخارجية التي تهمّ المجتمع الدولي عامة والاتحاد الأوروبي خاصة، وفي مقدمتها الصراع في الشرق الأوسط والعراق وإيران وأفغانستان نظراً لأهمية هذه القضايا وارتباطها بالمصالح الفرنسية خاصة والأوروبية عامة، وحيث شكّلت السياسات الأمريكية للإدارة الجديدة استمراراً لسياسات الإدارة السابقة -أقلّه حتى الآن- وعنوانها الرئيس: استمرار تفرّد الولايات المتحدة بملفات هذه القضايا، ومن هنا اكتسبت تصريحات الوزير الفرنسي أهميتها ووُصفت بكونها غير مسبوقة، وأنها تشكّل صرخة مدويّة في وجه الشريك الأمريكي، ولا سيما أن هذه التصريحات تطلق باسم الاتحاد الأوروبي وليس باسم فرنسا فقط، حيث دعا الوزير كوشنير الاتحاد الأوروبي إلى عدم الاكتفاء بدور الكومبارس أو المموّل في نزاع الشرق الأوسط تاركاً الولايات المتحدة تلعب الدور الأول في مساعي السلام المتعثرة حاليا، وأضاف: يجب بكل تأكيد أن تلعب أوروبا دورها، لا يمكننا على الدوام تفويض الأمريكيين. إن كوشنير -وهو يتحدث هنا نيابة عن (27) دولة أوروبية- يؤكد أن الكيل قد فاض بأوروبا، وأن الاتحاد الأوروبي لم يعد يقبل بدور التابع الذي يتولى تمويل السياسات الأمريكية وتسويقها والاكتفاء بالفتات، هذه السياسات التي لم تتمكن حتى اللحظة من تحقيق إنجازات ملموسة على صعيد إيجاد الحلول والاستقرار ولاسيما للصراع الفلسطيني_الإسرائيلي والمأزق العراقي، وملفات إيران وأفغانستان.. ولعلّ ما دفع كوشنير لإطلاق تصريحاته هو سلوك السلطات الإسرائيلية معه ومع مَن سبقه مِن وزراء خارجية أو مسؤولين أوروبيين حين منعتهم من زيارة قطاع غزة في السنة الأخيرة، واضطرتهم لاستئذانها وأخذ موافقتها في كل مرة يرغبون فيها بزيارة المناطق الفلسطينية المحتلة، في الوقت الذي يتولون فيه من خلال اللجنة الرباعية والدول المانحة مسؤولية تمويل عملية السلام وأجهزة السلطة الفلسطينية، والإسهام في إعمار مناطقها سواء بشكل مباشر أم من خلال الأونروا، التي لا تتوانى السلطات الإسرائيلية وجيش الدفاع الإسرائيلي عن تدميرها خلال الاجتياحات المتكررة لهذه المناطق، وهو ما يشكّل نموذجاً فاقعاً لمكانة ودور أوروبا في مثل هذه الصراعات. وواضح أن فرنسا ومعها عديد من الدول الأوروبية تجد الفرصة سانحة لإيجاد شكل من أشكال تقاسم النفوذ مع الولايات المتحدة في هذه المناطق، ما يمكنها من تحقيق مصالحها السياسية والاقتصادية، ويعيد الاعتبار للدور الأوروبي على الصعيد الدولي. باختصار يبدو أن أوروبا -وفرنسا في الطليعة- ترى الفرصة مناسبة لتجاوز هيمنة القطب الواحد التي سادت أكثر من ثلاثة عقود، وأن الظروف مهيأة لتعددية قطبية تحتلّ فيها أوروبا موقعاً مركزياً بعد أن قطع الاتحاد الأوروبي شوطاً كبيراً على صعيد بناء أطره وهياكله التشريعية والقانونية والسياسية الموحدة. فهل تفلح صرخة كوشنير في حشد أوروبا الموحدة لتحقيق هذا الهدف؟.
|