|
الدولار والبحث عن بدائل أكثر استقراراً |
|
فجرت انعكاسات الأزمة المالية العالمية القلق حول الدولار الأمريكي ومصيره بوصفه عملة احتياطية دولية، وانهالت الدعوات إلى إنهاء دوره بوصفه عملة مهيمنة والبحث عن بديل أكثر استقراراً، بما يناسب خدمة أغراض النظام النقدي الدولي. ويكاد يجمع العالم على شبه قناعة بضرورة التحول عن الدولار _العملة التي سحرت العالم وهيمنت عليه_ واعتماد عملة احتياطية أخرى، بعد أن فقد الدولار سمتين أساسيتين لعملة الاحتياط والتبادل التجاري؛ الأولى: القدرة على تحقيق الاستقرار الاقتصادي وتعزيز استمرارية الإمكانيات الاقتصادية والعدالة الدولية، والسمة الثانية: ألا تكون العملة خاضعة للتوجيه من قرار وطني معين. وقد أوضحت تقارير دولية حديثة أن سجل الدولار كان كثير التقلب وانكماشياً وغير مستقر، وظل رهناً لتوجيه حكام البيت الأبيض بما يلبي مصلحتهم، وخاضعاً لقرارات المؤسسات المالية الأمريكية النقدية والمالية. وتجمع معظم بلدان العالم المعتمدة على تصدير الخامات والمنتجات على المطالبة بـ"دولار قوي" لأن تراجع صرفه يرفع قيمة الصادرات، ويعطل جهود الخروج من الأزمة الأعنف منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. وتخشى بلدان عدة من تآكل مدخراتها، فالصين _على سبيل المثال لا الحصر_ فقدت نحو (55) بليون دولار من قيمة مدخراتها في الأشهر الأخيرة بعدما كدست بفضل النمو الكبير لاقتصادها أكثر من (2.1) تريليون دولار، وتجد نفسها في موقف صعب فهي لا تستطيع اتخاذ قرار بالتخلي عن الدولار لأن ذلك يعني ضياع مدخراتها، وفي الوقت ذاته يتزايد قلقها من ضياع تدريجي لثرواتها التي تستثمر منها أكثر من (1.5) تريليون دولار في الاقتصاد الأمريكي. وحدها الولايات المتحدة الأمريكية _رغم أنها المعنية الأولى بالموضوع_ تنظر إلى الأمور بهدوء لافت، وقررت ألا تتدخل وأن تقف موقف المتفرج على ما يحدث، وربما لم يكن لديها سوى خيار إغراق السوق بالعملة الخضراء لتزيد من تدهور قيمتها، وتفتح المجال واسعاً للمضاربات، فتراجع قيمة الصادرات يحفز الصادرات الأمريكية، ويسرع في خروج الاقتصاد الأمريكي من الأزمة. وبنظرة تاريخية تبدو سياسة إهمال سعر صرف الدولار غير غريبة عن سياسات واشنطن النقدية، لأنها مبنية على عدم الاهتمام بسعر الصرف ما دامت العملة الخضراء مهيمنة عالمياً. وقد وصلت الأصوات المنادية بإزاحة الدولار وتوقع بروز عملة بديلة، إلى صفوف مدافعين تاريخيين عنه، إذ توقع رئيس صندوق النقد الدولي أن يغدو (اليوان) الصيني عملة بديلة عن الدولار في غضون (10 ـ 15) عاماً، بسبب النمو الكبير للاقتصاد الصيني. ويُعزى تدهور الدولار وضياع دوره مستقبلاً إلى عدم وجود سياسة نقدية ائتمانية مناسبة في الولايات المتحدة، وتشجيع الإنفاق رغم وجود عجز تجاري كبير، ما قد يتسبب في مشكلات خطيرة للاقتصاد الأمريكي. والواضح أن لا دلائل على اعتماد اليورو عملةَ احتياط بدلاً من الدولار الذي ما يزال يحتل المرتبة الأولى في الاحتياط الدولي بنحو 63%، في حين لا تتجاوز نسبة اليورو 27%. ورغم ما نلمسه من تراجع متدرج إلا أن الدراسات تتوقع أن يبقى الدولار مسيطراً حتى نهاية العام 2011، ومن الآن إلى منتصف العقد المقبل سنشهد تحولاً متدرجاً عن الدولار في التجارة العالمية ولكن ليس لحساب عملة منفردة.
|