|
أنيسة مراد- إطلالة شرقية عبر نوافذ روسية |
|
طه عبد الواحد أنيسة مراد فنانة شابة تبدع، اكتسبت من أمها الروسية ذلك المزيج الحضاري المتفرّد الذي يميز الإنسان الروسي، فلا هي شرقية ولا هي غربية، تقف على الحدود بين هذين العالمين وتحملهما معاً في آن واحد، فتبدع واقفة في قلب العالم الذي أنتج نفائس الثقافة العالمية في الفن والأدب والموسيقا. اكتسبت من والدها الشرقي السوري حميمية الشرق وحنانه وعشقه للأصالة وتقديسه للموروث الثقافي والإنساني. من تلك العوالم والحضارات التي تلاقت في شخصيتها تطلّ علينا أنيسة مراد بمعارض صور ضوئية، تارة عبر (أبواب شرقية ونوافذ روسية) وهو اسم معرض لها أقامته في موسكو، وتارة أخرى عبر (نوافذ روسية) من صالة المركز الثقافي الروسي في دمشق. تقول أنيسة في حوار لها مع "أنباء موسكو" : إن نظرتها إلى النافذة أو الباب تلتقي مع نظرة لواحد من كبار الفنانين الروس الذي يقول في حديثه عن النافذة: "ترتبط كلمة نافذة في اللغة الروسية بعلاقة قرابة لغوية مع كلمة عين، والنوافذ هي عيون المنازل، تنظر منها إلى العالم الخارجي وكأنه تفتّح كينونة المنزل على هذا الفضاء الفسيح، بريقها يعكس روح المنزل. النوافذ المضاءة تعني دعوة للضيافة، بينما تفصل النوافذ المظلمة أهل المنزل عن مراسم استقبال الضيوف، وتتيح لهم المجال لفترة من الراحة" . النافذة والباب حسب رؤية أنيسة مراد لهما عنصران لكل منهما دوره الاجتماعي الخاص، فعبر الباب تقوم العلاقة مع الجوار بمباشرة ودون حواجز، بينما تقوم العلاقة بصورة غير مباشرة عبر النافذة التي يمكن أن يحدد الإنسان من خلال النظر إليها طبيعة ذلك الجزء الواقع خلف الباب _أي المنزل_ كما يحدد ما إذا كان الوقت مناسباً للدخول أم لا. والنافذة التي يطل المنزل من خلالها على العالم الخارجي غالباً ما تنقل حكاية هذا المنزل وساكنيه دون سرد كلامي، بل لمجرد النظر إليها، فتبدو النافذة كعين تعكس ما إذا كان صاحبها مرتاحاً أم متعباً، مريضاً ووحدانياً أم عضواً في أسرة كبيرة تعيش بسعادة، وما إلى ذلك. تهتم أنيسة مراد بالنوافذ والأبواب وببعدهم الاجتماعي، لكنها أولت الاهتمام في معرضها الأخير (نوافذ روسية) لجزء من أجزاء النافذة، وليس أي نافذة، بل النافذة الروسية التقليدية على وجه التحديد. إذ لفت انتباهها-حسب قولها- الأطر الخارجية للنوافذ الروسية الخشبية القديمة التي تكاد تتلاشى ويصعب أن تجدها في كثير من المدن، ويقتصر انتشار بقاياها في قرى ومدن روسية صغيرة. بحثاً عن أطر النوافذ جابت أنيسة مراد مختلف المناطق الروسية، وخلال جولاتها الطويلة رصدت عدستها مجموعة من الأطر الخارجية لنوافذ قديمة، لكل إطار منها حكاية جميلة خاصة به. ومن خلال مشاهداتها أثناء التصوير تحضيراً لمعرض (نوافذ روسية) تعرفت أنيسة مراد على مهن لأشخاص لا تعرفهم، بل دون أن تتحدث معهم، إذ كانت النظرة إلى الإطار الخارجي للنافذة كافية كي تعرف مهنة قاطنيه. مثلها مثل الأبواب الشرقية القديمة أصبحت النوافذ الروسية الخشبية التقليدية القديمة شبه نادرة، نظراً لاقتحام التطور الصناعي والعمراني لكل جزء من حياة الإنسان، حيث أصبحت ضريبة التطور والتقدم باهظة الثمن، وفي كثير من الحالات تتسبب بخسائر غير مبررة. لذلك ولأن أنيسة مراد تعتبر أطر النوافذ الروسية والأبواب الشرقية عملاً فنياً أنتجه الإنسان بعفوية، ويحمل في طياته واحدة من صور الإبداع المهددة بالزوال، قررت أن توثّق عبر الصور الضوئية الفنية ما قد يزول تحت تأثير الحداثة، وحلمها أن تعثر على المزيد من هذه الأعمال الفنية، وأن تسبق التطور إليها كي تحافظ عليها، ولو على شكل صورة، قبل أن يأخذها العصر ويأخذ معها معانيها الفنية والإنسانية.
|