| نافذة على الثقافة |
|
سياسة مدّ الجسور مرّة أخرى تبادر روسيا إلى لقاء العرب في ساحة حوار السياسة والثقافة ببعث صحيفة (أنباء موسكو) للحياة مرة ثانية باللغة العربية لتكون جسراً بين الثقافتين الروسية والعربية، ونتوقع لها النجاح في ذلك، لأنه من الثابت تاريخياً في حوار الثقافات وتفاعلها أن العرب لم يتعاملوا مع الثقافة الروسية كثقافة على الضفة الأخرى، بل كشريك يتجاورون معه في الضفة المشرقية للحضارات الإنسانية، ويشهد على ذلك أن العرب -ومنذ أن انفتحوا على الحضارة الروسية في القرن العاشر الميلادي- نسجوا علاقة تفاعل حيّ معها يصعب فيها التمييز بين الذات والآخر، لأن هذا الآخر لم يكن غريباً عن الذات، بل كان يشبهها في العادات والتقاليد والقيم والروح الإنسانية، فنُسِجت علاقة حضارية شديدة التناغم والانسجام بين شعوب روسيا والشعوب العربية. وفي أيامنا هذه تشاطر الثقافة الروسية نظيرتها العربية رفض مقولات (تصادم الحضارات) وتتشاركان في التطلع الإنساني نحو غدٍ أفضل للإنسانية جمعاء، لا يكون فيه مكان للأيديولوجيات والسياسات التي تعيد إنتاج (سياسة الغاب) في العلاقة بين الشعوب والحضارات والثقافات. وامتازت الثقافتان الروسية والعربية على مرَّ التاريخ بأنهما لم تعيشا أزمات أخلاقية مثل تلك التي عاشتها وتعيشها الثقافات الأوروبية الغربية والأمريكية، لأن الناظم في الثقافتين الروسية والعربية بقي حاضراً ومجسداً بالتوجه الإنساني الرحب، وقيم العدالة والحرية ورفض العبودية والاستعباد والظلم، ولم تقعا في شرك النرجسية المقيتة. ولطالما نظر العرب إلى الثقافة والحضارة الروسية كمثال يحتذى به في الحوار والتفاعل البناء بين المسيحية والإسلام، ولكن للأسف لعل بعض مظاهر التطرّف التي مارستها بعض المجموعات الإسلامية - المحدودة عدداً والمحصورة جغرافياً - أساءت كثيراً لصورة العربي عند الرأي العام الروسي، خاصّة في ظلّ التضخيم الإعلامي الغربي المقصود لمثل هذه الأعمال التي يرفضها غالبية العرب والمسلمين، كما أن الشحن الإعلامي الذي مارسته بعض وسائل العربية والإسلامية حول الأوضاع في منطقة شمال القوقاز، وعدم عرض الحقائق كما هي شوّه صورة روسيا عند فئات واسعة من المحافظين في المجتمعات العربية. ومن المهمّات الملحَّة على المثقفين العرب والروس إعادة زخم التفاعل بين الثقافتين الروسية والعربية بالبناء على العلاقة التي بناها الرواد؛ فقلّما يخلو بيت مثقف عربي من كتب تشيخوف وديستوفسكي وغوغول ومكسيم غوركي وبوشكين ومايا كوفسكي ورسول حمزاتوف وغولايف.. ويحزّ في النفس أن المكتبات الشخصية الروسية قلّما تحتوي مقتنياتها على عدد مماثل من إبداعات الأدباء والشعراء العرب، ومردّ هذا يعود في المقام الأول لتقصير الجانب العربي واتكاله على الجانب الروسي في حركة الترجمة والنشر من العربية وإليها، والمثال الساطع على هذا التقصير أن (دار التقدم) في العهد السوفييتي ترجمت من العربية إلى الروسية وبالعكس أضعاف ما قامت به وزارات الثقافة في الدول العربية، وحتى اليوم نفتقد جريدة عربية ناطقة بالروسية تكون نافذة للعرب على الرأي العام الروسي، وبعودة صحيفة (أنباء موسكو) للصدور يتجدد السؤال: متى سيتحقق ذلك؟. المحرر الثقافي |





