| احتفالية الثقافة العربية لم تلبس بعد ثياب الفقراء وثقافتهم |
| محمد أمين احتفالية الثقافة العربية، التي تقام كلّ عام في عاصمة عربية، لم تشبّ بعد عن الطوق، وما زالت تحبو، حيث لم يمض سوى بضعة أعوام على انطلاقتها، ولكنها أصبحت في قلب المشهد الثقافي والإعلامي العربي كحدث يحتفي بالثقافة على اختلاف وتنوع تجلياتها؛ حيث يجد المسرحيون والمثقفون والشعراء والفرق الفنية الراقصة نافذة لتفريغ شحنات ثقافتهم على امتداد عام كامل، ولكنّ الاحتفالية ما زالت ترفل بثوب النخبوية المزركش، ولم تلبس بعد ثياب الفقراء وثقافتهم، وكأنّ الثقافة حكر على أصحاب الياقات البيضاء المكوية، ومنذ انطلاقتها والأصوات ترتفع والأقلام تكتب منتقدة ومتسائلة بحرقة عن جدوى احتفالية ترمى على أقدامها ملايين الدولارات، تأخذها دون أن تترك في الرؤوس سكرة وفي القلوب جمرة وفي الأفئدة شمعة. في العام الفائت كانت القدس عاصمة للثقافة العربية، وقد أقيمت الاحتفالية خارج المدينة المقدسة لأنّ سلطات الاحتلال منعت بشكل صارم وهمجيّ إقامة أي نشاط يؤكد عروبة القدس، وكأني بالصهاينة يحاولون معاندة القدر، فهم يريدون إثبات شيء لا يمكن إثباته بالبنادق والأحذية الثقيلة، فالقدس كانت وستبقى درّة تاج الثقافة العربية و"لا بدّ من القدس وإن طال السفر"، وقد استضافت عواصم عربية نشاطات خجلى حاولت مواساة القدس وثقافتها، وكانت هذه النشاطات أقلّ وأقصر من جرح في الخاصرة ينزف، وربّما لو كان محمود درويش حياً لأعطى الاحتفالية دفقَ حياة وتجذراً وتجدداً وبعداً آخر، وربّما كان صوتها مسموعاً، فبعد درويش لم يعد للقبيلة شاعر، وأية قبيلة بلا شاعر هي بالقطع بلا حياة، ولا مكان لها تحت الشمس. قبل القدس كانت دمشق عاصمة للثقافة العربية، ولكنّ الاحتفالية ظلّت حبيسة دار الأوبرا الأنيقة والمتخمة بالبهاء، وقد حاولت إدارة الاحتفالية جاهدة الإيحاء بأنّ في المدينة احتفالاً ثقافياً، وأعتقد أنّها لم تنجح كما يجب أن تنجح، ولولا حفلتا فيروز وولدها زياد لما تسنّى للكثيرين معرفة هذا الحدث الثقافي العربي الكبير. ومرّت الاحتفالية دون أن ترضي أحداً، وخاصّة أنّ إرضاء المثقفين في العالم العربي غاية لا تُدرك. وهذا العام انتقل تاج الثقافة العربية إلى العاصمة القطرية الدوحة، ولم يمض شهر على انطلاق الشرارات الأولى، ولكن دوي الطبول على ضفاف الخليج العربي لم يصل بعد إلى شواطئ المتوسط والأحمر والأطلسي، لذا من الظلم الحكم عليها وهي ما زالت في شهر العسل. نعم لدينا ثقافة، هذه حقيقة لا يمكن لأحد أن ينكرها، فالأمم لا تدوم دون ثقافة، ولدينا احتفالية، ولا تقام الاحتفاليات عادة إلا إذا كان هناك مبرر لها وأساس، ولكن ألم يكن أجدى لو تم صرف الملايين على إنشاء مسارح ودور عرض ومكتبات، وتم طبع الكتب (طبعات شعبية) لتكون في متناول البسطاء، وهم خزان الأمة؟ ولكن يبدو أنّ للنخبة ثقافة، وللبسطاء ثقافتهم في العالم العربي، فأية ثقافة ستنتصر في النهاية؟ لا أحد يعرف، ومع ذلك لا بأس في إقامة احتفالية للثقافة العربية، لعل الثقافة تجمعنا حتى لو داخل جدران مكيفة. |


