| امتهان المرأة على شاشات الإعلانات |
| مؤيد حسن لا تخفى على أحد من متتبّعي القنوات التلفزيونيّة الصورة المزرية التي توضع المرأة فيها أثناء تأديتها بعض اللوحات الإعلانيّة، فلا تزال في تنقُّلٍ دائم بين إعلانات الأطعمة والمشروبات، إلى الأحذية والملبوسات، وصولاً إلى عرض الأدوات الكهربائيّة، انتهاءً بالسيّارات وما إلى هنالك من موضوعات لا علاقة للمرأة بها من قريبٍ أو بعيد. بل إنّ الأمر وصل بها في بعض الإعلانات حدّ وضعها في مقارنة مع بعض مساحيق الغسيل، ولكنّ الكفّة في النهاية رجحت لصالحها ولله الحمد!. لا ندري حتى الآن ما هو سبب هذا التسليع المقيت للمرأة العربية والأجنبيّة على حدٍّ سواء. هل يكمن السبب في قدرتها على الإقناع والتأثير في مجتمعاتٍ ذكوريّة أكثر من الرجال، أم أنّ المجتمعات الذكوريّة تلك تفضّل الاستمتاع بمشاهدة المرأة تتلوّى على الشاشات بين الحين والآخر؟!! هذا الأمر قد يقودنا إلى إعادة النّظر في صورة المرأة ووضعها في المجتمعات المختلفة؛ إذ إنّ هذه المجتمعات -على اختلاف طبائعها وتقاليدها- ربّما تُجمِع على تشييء المرأة والتعامل معها على أنّها سلعة للمتعة والترويج للمنتوجات وغيرها... ونحن هنا لا نلقي باللوم على الشركات الإعلانيّة، فمن حقّ أصحاب الأموال أن يستفيدوا ويسخِّروا كل المُتاح في سبيل زيادة أرباحهم، ولمّا كانت المرأة قادرة على جلب الأرباح ولفت الأنظار إلى السّلع المعروضة، صارت الورقة الرابحة في أيديهم. ولكن يساورني هنا سؤالٌ يحتاج إلى التوضيح؛ لماذا ترضى المرأة بأن تكون بضاعة مبتذلة تُعرَضُ في اللوحات وعلى شاشات التلفاز؟!! هل ترى المرأة في ذلك حقّاًً من حقوقها، أم تراه نوعاً من أنواع التكريم؟ ربّما ترى في ذلك نوعاً من احتياج الرجل إليها، فتستطيع من خلال ذلك إثبات دورها في المجتمع، أضف إلى ذلك المغريات الماديّة التي تُعرض عليها والتي تسهم في إقناعها بلعب أي دورٍ وإن كان يتضمّن من الابتذال والرّخص ما يتضمّن. كلّ ذلك لا يعدو أن يكون في خانة الظّن وإن كان جائزاً وممكنَ التصوّر. أعتقد أننا أمام وضعٍ حرج يعبّر عن حالةٍ مرَضيّةٍ استشْرَتْ في معظم المجتمعات حتى الإسلاميّة منها، والسبب يعود في ذلك إلى الماضي البعيد الذي لا يزال غبارُه جاثماً على عقولنا؛ إلى زمن الجواري وعصر العبيد؛ حيث كانت المرأة تُباع وتشترى في الأسواق حالُها في ذلك حالُ أية بضاعة معروضةٍ للزبائن (من يدفع منهم أكثر)، ولكنّ ذلك الزمن الغابر -على علاتِهِ وامتهانه للمرأة- كان منصفاً لها إذ ساواها بالرجل العبد آنذاك حيث كان سلعة تباع وتشترى إلى جانب الجواري. أمّا الآن، وفي عصرنا المتحضّر، فقد استأثرت المرأة بهذا العمل ولكن بصورة أخرى أكثر حضاريّة وعصريّة، وهي صورة اللوحات الإعلانيّة المتلفزة، التي تبدو أقلّ وحشيّةً من سوق النِّخاسة وتجارة الرقيق. أي أنّ التاريخ -كما يقولون- يعيد نفسه ولكن بصورةٍ مختلفة، ولو لم يُختَرَع التلفاز لتكررت تلك المشاهد المأساويّة مرّة أخرى. ولكنّ ما نعلّلُ النفس به هنا هو أنّ دوام الحال من المُحال؛ وإننا لا نزال نتطلّع إلى زمنٍ تأخذ فيه المرأة دورها الأساسي في المجتمع؛ فهي قادرةٌ على البناء والعمل الشريف الذي لا ينتقص من كرامتها وقدسيّتها، ولكنّ الأمر يحتاج إلى الكثير من الصبر والعزيمة لتستطيع رياحُ التغيير أن تنفض ما علق في عقولنا من غبار الجهل، لعلّها تشرق بنور الفهم، وتُروى بماء العلم، لتزهر مجتمعاً حضارياً يقسم الحقوق بين أهلها بالتساوي، ويتيح للمرأة أداء دورها الذي له خُلِقتْ وهو بناء الجيل من خلال هزّها السريرَ بيد والعالَمَ كلّه باليد الأخرى. |





