| خلف الإرهاب الأعمى فكرة جبانة سوداء |
| رشيد قويدر مشهد العنف الدموي الإرهابي الأعمى في جريمتي مترو موسكو، مشهد يتجسد فيه كلّ ما هو عنيف ومؤلم.. لكن، ورغم كل ما يمكن أن يقال من تحليلات وآراء، لا بدّ من التوقف أمام حقيقة مؤكدة لا يختلف عليها من يمتلكون الحدود الدنيا من الحسّ الإنساني، وهي أنّ المعتاشين على حساب الدِّين وباسم المقدّس وتوظيفاته السياسية ممن تشوهت نفوسهم قبل عقولهم، لن يدركوا عظمة الكائن الإنساني الذي سجدت له ملائكة السماء كما تقول جميع الكتب المقدسة، وأنّ قتل الأبرياء هو أزمة أخلاقية في الضمير الإنساني، ليس على كاهل المنفذين والمخططين فحسب، بل لدى مَنْ يتغاضى عن هذه الجرائم الإرهابية، أو يسوِّغها تحت أية ذرائع ومسميات، بوصفها انحطاطاً وذروة الهشاشة في القيم والأخلاق مهما كانت أهدافها.. اليوم تفيض روسيا الاتحادية بالثقة بالذات، وتفيض بالسيادة، روسيا ما بعد الاتحاد السوفييتي، الأمر الذي نأخذه في حسبان أهداف الإجرام، وينعكس ذلك في ديناميكية السياسة الخارجية الروسية، وهي مرشحة لأن تذهب إلى مدى أبعد، وقد سقطت الثورات الملونة المدعومة أمريكياً في أوكرانيا وجورجيا وقرغيزيا وبسرعة قياسية قلّ نظيرها في التاريخ، كما احتضنت روسيا أوزبكستان بجسارة كحليف رسمي، من خلال دعوتها إلى انسحاب القوات الأمريكية من آسيا الوسطى في مطلبها قبيل نهاية العام 2005، وأسقطت الدور الذي لعبه ديك تشيني في القوقاز ومعه عدد محدد من أوليغارشيا الفساد الهاربة من القانون الروسي وبأموال روسية طائلة مسروقة.. وفي الجملة فإن التحولات في خيارات روسيا السياسية والأمنية، واستعادة الجيش الروسي لأولوياته، وتشكيله على أسس جديدة، تتركز على سرعة الانتشار وخفة الحركة وتكامل الاختصاصات في إطار خطط الإصلاح، وهو الأمر الملموس في حرب القوقاز التي أعلنت عن حقبة جديدة بدأت بإسقاط نظرية تشيني في احتواء روسيا بآليات مشابهة للحرب الباردة، ونتائج حرب القوقاز أعلنت عن عودتها كمحور رئيس إلى السياسة الشرقية بالذات، واضطلاعها بدور مرن أكثر فعالية بالموازنة بين المصالح الجيوسياسية والمبادئ متعددة الأطراف والشراكات وفي أبعد مدى كشريك موثوق... والأهم في جملة وقائع المشهد الدولي هو أنّ عالم اليوم قد أخذ يودع الأحادية القطبية، وفي لحظة تاريخية قد تطول، ومعها تتصاعد تعددية قطبية، فيما تشهد وبشكلٍ مضطرد ومتزايد لعالم من القوة الموزعة، وأكثر من القوة المركزة، لم تعد تملك واشنطن ترف تقسيمه كما شهدنا من غطرسة: مَنْ ليس معنا فهو ضدنا. ولعل ما سبق يفسر استهداف روسيا ودورها بعمليات إرهابية دموية تقف وراءها جماعات تحمل في عقولها المظلمة فكرة جبانة سوداء. |





