| دولياً تعمقت الأزمة المالية والاقتصادية.. عربياً ارتدادات الأزمة تضرب بقوة في دبي |
|
بدا النظام المالي العالمي هشًا في العام المنصرم في شكل كبير، وتعمقت الأزمة العالمية، وخيمت على جميع قطاعات الاقتصاد العالمي، ولم ينج أي قطاع من آثار الأزمة الأعنف منذ الحرب العالمية الثانية، وسارعت الدول فرادى وجماعات لاتخاذ إجراءات للحد من تأثيرات الأزمة، ومع استفحال الأزمة ظهرت الحاجة إلى فرض تنظيمات جديدة وتشديد التنظيمات والضوابط القائمة وتواصلت الاجتماعات العالمية، فعقدت مجموعة العشرين اجتماعين في لندن وبيتسبيرغ، وفرضت مجموعة العشرين نفسها كبديل لنادي الثماني الكبار، وتفاقمت المخاوف من ازدياد حجم البطالة عالميا وبطء الانتعاش الاقتصادي، ورغم التقارير المتفائلة بقرب الخروج من الأزمة إلا أن معظم البيانات تشير إلى أن النمو لن يعود إلى مستويات قبل الأزمة حتى العام 2012- 2013.
وفي ظل انعكاسات الأزمة العالمية، وتذبذب أسعار صرف العملات ومؤشرات البورصات العالمية، شهدت أسعار الذهب ارتفاعا قياسيا، وزاد لمعان المعدن الأصفر توهجا، وفي بداية الشهر الأخير من العام المنصرم كسرت أسعار الذهب حاجز 1216 دولارا للأونصة لأول مرة في التاريخ، ولعل هذا الارتفاع مؤشر واضح على مرض الاقتصاد العالمي، وتحول الذهب إلى أداة استثمارية وتخزينية وملاذ آمن للثروة وحماية من الإفلاس.
وفيما يخص أسعار الذهب الأسود شهدت الأسواق تقلبات كبيرة في العام المنصرم وارتفعت أسعاره ضعفين ونصفاً من أدنى مستوى في بداية العام، وتأثرت البلدان المعتمدة على التصدير من عجز كبير في موازاتها بعد سنوات من فوائض كبيرة في موازناتها، وعانت الصناعات النفطية والشركات المنتجة من تراجع للأسعار لم يواكبه خفض في كلفة الصناعة وتأثرت أسعار الغاز الطبيعي في شكل كبير ما أثر في حجم الاستثمار الموجه إلى صناعة النفط والغاز، حيث خفضت الشركات العالمية استثماراتها بنحو 20% العام الماضي.
ولعل ما خفض خسائر الشركات النفطية والحكومات وحسن نوعاً ما من أداء اقتصادات الدول المعتمدة على تصدير النفط والغاز هو ارتفاع الأسعار من نحو 30 دولارا في بداية العام إلى 80 دولاراً، وشكلت زيادة الطلب في الصين والهند، وخفض إنتاج أوبك بنحو 6,2 مليون برميل يوميا إنقاذاً للسوق النفطية، لكن أسعار الغاز لم تواكب هذا الارتفاع مع تراجع الطلب في أوروبا على الوقود الأزرق.
وفي العام 2010 تتوقع منظمة أوبك أن يرتفع الطلب العالمي على النفط بواقع 700 ألف برميل يومياً، فيما توقعت وكالة الطاقة الدولية أن يدفع الانتعاش إلى زيادة الطلب على النفط بواقع 1,5 مليون برميل مقارنة بالعام 2009 إلى 86,3 مليون برميل يومياً، ومع تحسن الطلب على النفط من المتوقع أن تتحسن اقتصادات روسيا والبلدان العربية المصدرة للنفط، لكن الخوف ما يزال قائماً مع تذبذب سعر صرف الدولار، وأسعار الأسهم، وقرارات المصارف المركزية بسحب الدعم أو رفع سعر الفائدة ما قد يؤثر في النمو الاقتصادي العالمي.
وفي روسيا تراجعت المخاوف من ارتفاع معدل البطالة في الأشهر الأخيــرة، واستطاعت الصين تأمين أماكن العمل التي عوضت موجة التسريحات التي ترافقت مع بداية الأزمة، في حين ما زال شبح البطالة ومشكلاتها الاجتماعية يطارد الاقتصادات العربية، إذ قدرت منظمة العمل العربية البطالة بما بين 15 و20% من سكان الوطن العربي 60% منهم من الشباب، وتتوقع المنظمة أن تتزايد بنحو 3% سنوياً أي أن ما بين 3 و4 ملايين شاب لن يدخلوا سوق العمل سنوياً. وسجل إشهار شركة جنرال موترز إفلاسها حدثا مهماً في منتصف العام، وأفلس عملاق صناعة السيارات الأمريكي بعد مئة عام احتكر فيها أسواقا عالمية كبيرة قبل أن تتراجع في عقر دارها أمام الشركات المنافسة وخصوصاً اليابانية منها.
ورغم الصعوبات الكبيرة التي واجهتها، إلا أنها تراجعت عن بيع وحدتها الأوروبية ''أوبل'' وماركة ''فوكسهول'' البريطانية إلى شركة ''ماغنا'' النمساوية الروسية الكندية لصناعة السيارات ومصرف ''سبيربانك''، رغم ترحيب الحكومة الألمانية للصفقة وطرحها خطة متكاملة للإنقاذ. ومع أن العام المنصرم لم يشهد إفلاساً كبيرا كما حصل في حالة'' ليمان بروذرز'' في 2008 إلا أن آثار الأزمة بدت واضحة، إذ واصلت المصارف الأمريكية الإخفاق بوتيرة مرتفعة، ويتوقع أن تستمر مسيرة إفلاس كثير من المصارف في 2010، وتوقعت السلطات الحكومية الأمريكية أن تكلف المصارف المفلسة الخزينة أكثر من مئة بليون دولار حتى العام 2013، وفي العام الحالي سجل معدل إفلاس المصارف الأمريكية معدلاً هو الأعلى منذ العام 1992، وفي حين انهار 25 مصرفا في 2008، أشهر 133 مصرفًا إفلاسه حتى منتصف ديسمبر/ كانون الأول، كما تراجع حجم القروض ما أثر على الاستهلاك في مختلف دول العالم. وشكلت الحمائية التجارية والاستثمارية مظهراً مهماً في 2009 وانهار حجم الاستثمارات الخاصة التي تلقتها الاقتصادات الصاعدة من 1250 بليون دولار في 2007 إلى 650 بليون دولار في 2008، وتوقع صندوق النقد الدولي ومعهد التمويل العالمي أن تواصل انخفاضها العام الحالي إلى 250 بليون دولار، قبل أن تنتعش سريعا للتجاوز 670 بليون دولار في 2010. وطاول الانخفاض الاستثمارات المباشرة ويتوقع أن تنخفض إلى 425 بليون دولار في 2009 من 600 بليون دولار في 2007. كما شهدت قروض المصارف التجارية انكماشاً حاداً، وتراجع تمويل مؤسسات المال غير المصرفية من 220 بليوناً إلى الصفر.
انعكست الأزمة العالمية سلباً على معدلات النمو في منطقة الخليج وتراجعت هذه السنة بين 1,5 و3% وتوقعت تقارير أن تسجل موازنات دول الخليج عجزا في حدود 20 بليون دولار أي نحو 7,2% من حجم الناتج المحلي الإجمالي لها، لكن ما خفف من الآثار السلبية زيادة حجم الإنفاق العام على مشروعات البنية الأساسية والخدمات الاجتماعية ما خفف آثار انكماش الطلب، وفي الخليج تعرضت تجربة دبي لاختبار قاس في نهاية العام تسبب في هبوط حاد في البورصات، مع توقعات بتأثيرات على الاستثمارات مستقبلاً.
فالإمارة التي بدأت في بناء اقتصاد عربي في ما بعد عصر النفط كانت ضحية لفقاعة عقارية نتيجة الأزمة العالمية، وتأثرت مخططات الاعتماد على الخدمات لتحقيق نمو مستدام، ولعل الأزمة قد تتسبب في إغلاق الأبواب الاستثمارية التي فتحتها الإمارة والتي جلبت إليها البلايين. ورغم تفاقم مشكلات الجوع، وتراجع الإنتاج الزراعي في ظل ضعف المساعدات للدول الفقيرة إلا أن قمة الغذاء التي عقدت في روما في تشرين الثاني/ نوفمبر لم تفلح في تبني إجراءات ناجعة لإنقاذ ملايين الجياع حول العالم بعدما ضربت الأزمة العالمية والتغير المناخي بقوت نحو بليون إنسان في كوكبنا الأزرق، ولم تخرج القمة بوعود أكيدة للتخلص من الجوع بل حافظت على وعود سابقة كانت قطعتها جميع الدول في الأمم المتحدة في العام 2000. |


في القطاع المالي رغم خطة الأضخم التي أطلقها الرئيس الأمريكي باراك أوباما في شباط/ فبراير من 2009 فإنها لم تستطع حتى نهاية الربع الثالث إنقاذ أو تأمين أكثر من 650 ألف وظيفة، وارتفعت البطالة في الولايات المتحدة إلى أعلى مستوياتها منذ 26 عاماً عند أكثر من 10% قبل أن تنخفض قليلاً في الربع الرابع.