|
دروس البيان الأوروبي
عامر راشد
شكّل البيان الأوروبي الذي صدر في الثامن من الشهر الجاري صفعة لكل من راهنوا على تطور دراماتيكي في المواقف الأوروبية من الصراع في الشرق الأوسط، فوزراء خارجية الاتحاد الأوروبي أفرغوا المشروع السويدي من مضمونه؛ نزولاً عند الاعتراضات التي تقدمت بها فرنسا وألمانيا والتشيك وإيطاليا استجابة للضغوط الأمريكية والإسرائيلية، والغريب في الأمر أن وزير خارجية فرنسا الذي قاد حملة نسف المشروع السويدي كان قد وجّه انتقادات حادّةً للدور الأوروبي الملحق بالسياسة الأمريكية، وطالب برؤية أوروبية مستقلة.
احتوى مشروع البيان السويدي على موقف متقدم من جهود التسوية السياسية في الشرق الأوسط، خاصّة ما يتعلق بالمكانة السياسية للقدس في مفاوضات التسوية الدائمة، وتحديد حدود الدولة الفلسطينية المستقلة، وأسس وشروط ومرجعية المفاوضات. لكن وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي انحرفوا في بيانهم عن هذا الموقف، حيث اعتبروا أن ''القدس عاصمة مستقبلية لدولتين –فلسطينية وإسرائيلية-..''، وأن شكل هذه الصيغة يتحدد بـ''حلّ متفاوض عليه'' من خلال المفاوضات الثنائية بين الفلسطينيين والإسرائيليين. واقترب وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي بهذه الصيغة من الشرط الإسرائيلي الثابت في المفاوضات السابقة؛ بأن تلحظ أي تسوية حول القدس ما استجد من وقائع ديموغرافية على الأرض خلال السنوات الماضية بفعل مشاريع الاستيطان المتواصلة في قلب القدس الشرقية وجوارها. وفي تحديد الحدود تراجع وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي عن وضع توصيف واضح لحدود الدولة الفلسطينية المستقبلية، وبرر بعضهم هذا التراجع بأنه ''لا يجب فرض حلّ على الإسرائيليين والفلسطينيين''. وحول أسس المفاوضات ومرجعيتها وسقفها الزمني وضع الوزراء الأوروبيون ذلك في إطار ما أسموه (حلاً متفقاً عليه)، وترجمة ذلك إسرائيلياً ''مرجعية المفاوضات هي المفاوضات ذاتها، واعتبار أي أسس توضع لها بمثابة شروط مسبقة مرفوضة إسرائيلياً''.
ولعل أهم أسباب إحباط المشروع السويدي هو غياب العرب عن المعركة الدبلوماسية التي دارت حوله، وقد يخسر العرب معركة أخرى دار فصلها الأول بين روسيا والولايات المتحدة الأمريكية في الاجتماع الأخير للرباعية الدولية، فقد أفشلت موسكو مساعيَ بذلتها واشنطن لاستصدار بيان عن الرباعية الدولية يُعرب عن تأييد قرار حكومة نتنياهو بشأن التجميد الجزئي للبناء الاستيطاني في الضفة الفلسطينية، ويدعو إلى ''استئناف المفاوضات من دون شروط مسبقة للتوصل إلى اتفاق يحقق الهدف الفلسطيني ببناء دولة مستقلة قابلة للحياة بالاستناد إلى حدود العام 1967، مع حصول تبادل في الأراضي متفق عليه، ويحقق الهدف الإسرائيلي بدولة يهودية ذات حدود آمنة ومعترف بها تعكس التطورات الميدانية وتلبي الشروط والمطالب الأمنية الإسرائيلية''. لكن واشنطن لم تستسلم وأعلنت أنها ستعيد طرح مشروع القرار في الاجتماع القادم للرباعية. وما يجب أن يدركه العرب أنه إذا لم يتم دعم الموقف الروسي بجهد عربي وإسلامي ودولي قد لا تصمد موسكو في موقفها طويلاً، لأنه لا يفترض بها أن تخوض معركة حتى النهاية في الوقت الذي لا يحرّك فيه أصحابها ساكناً.
|