| مشروع ميدفيدف للأمن الأوروبي هل يَصدّ رياحَ الحرب الباردة؟ |
|
سلام مسافر
بصرف النظر عن محاولات الولايات المتحدة اعتبار مشروع معاهدة الأمن الأوروبي التي يقترحها الرئيس ديمتري ميدفيدف مسألة تخصّ الأوروبيين، فإن واشنطن ستضطر في حال موافقة قادة القارّة العجوز -جزئياً أو كلياً- على المقترحات الروسية إلى التعامل مع المنظومة الأمنية الجديدة على أنها البديل لسياسة التخندُق، التي تستند إليها العقيدة العسكرية الأطلسية حتى بعد عقدين من انتهاء الحرب الباردة، وما يزيد عليهما بأعوام من انهيار حلف وارسو، وانفراط عقد ما كان يعرف بالمعسكر السوفييتي. فالرئيس الروسي قدّم لشركائه الأوروبيين مشروعاً يتألف من (14) مادة تستند إلى مبدأ عدم تقاسم الأمن والأمن المتكافئ، وشرح بالتفصيل آليات تطبيقه على الصعيد الدولي.
وتؤكد المعاهدة المقترحة أن أي إجراءات في مجال الأمن يتخذها طرف مشارك بمفرده أو بالتعاون مع الأطراف المشاركة -بما في ذلك ما يكون ضمن إطار المنظمة الدولية، أو الحلف العسكري- يجب أن تأخذ بعين الاعتبار المصالح الأمنية للأطراف الأخرى. ويعني ذلك أن على شركاء روسيا الأوروبيين الالتزام بميثاق الشراكة، وتغليب المصالح الوطنية لشعوب أوروبا، قبل الانجرار مع الولايات المتحدة إلى حروب أو إجراءات تخدم أهدافاً لا تتطابق بالضرورة مع المصالح الأوروبية، وإن كانت تحت شعارات براقة مثل مكافحة الإرهاب، أو ملاحقة تنظيم القاعدة في جبال ''تورا بورا''، أو التلويح بخطر صاروخي إيراني مزعوم على أوروبا لنشر الدرع الصاروخية في بولندا وتشيكيا، فقد أكّد كبير مستشاري رئيس الوزراء البولندي دونالد توسك، في معرض تعليقه على ما أعلنه أوباما من تغيير خطة الولايات المتحدة ''الحقيقة أننا لم نشعر أبداً بخطر قيام إيران بهجمة صاروخية''.
وترى موسكو في المشروع استهدافاً لأسلحتها الصاروخية النووية، لأن روسيا لن تستطيع القيام بِردّ على الضربة النووية الأولى في حال وجهتها أمريكا من الأراضي البولندية. وحتى بعد أن أعلن الرئيس الأمريكي باراك أوباما في أيلول/ سبتمبر 2009 عن تجميد مشروع الدرع الصاروخية، يستعد البنتاغون لإنشاء ''درع'' أخرى تغطي منطقة شاسعة؛ تمتدّ من تركيا والبحر الأبيض المتوسط إلى بحر البلطيق، الأمر الذي يثير التساؤلات حول مدى جدية الولايـات المتحدة في التجاوب مع الاعتراضات الروسية على خطط تهدد أمن أوروبا وأمن روسيا في آن.
وينصّ مشروع ميدفيدف على أن المعاهدة لا تمسّ المسؤولية الرئيسية التي يتحملها مجلس الأمن الدولي عن الحفاظ على السلام والأمن، وكذلك حقوق وواجبات الأطراف عن ميثاق الأمم المتحدة. وتسعى المبادرة الروسية إلى التعاون مع دول الساحتين الأورأطلسية والأوراسية من فانكوفر حتى فلاديفوستوك والمنضوية تحت منظمات مثل الاتحاد الأوروبي، ومنظمة الأمن والتعاون في أوروبا، ومنظمة معاهدة الأمن الجماعي، وحلف الناتو، ورابطة الدول المستقلة (دول الاتحاد السوفييتي السابق).
وتضع مقترحات ميدفيدف الأوروبيين أمام خيار الشراكة ''المتكافئة'' مع الجمهوريات السوفييتية سابقاً، وليس الحصول على اليد العاملة الرخيصة من هذه البلدان، والسيطرة على ثرواتها الطبيعية، وتحويلها إلى أسواق استهلاكية للمنتجات الأوروبية. قد يماطل الأوروبيون -تحت الضغط الأمريكي- في الاستجابة لمقترحات الرئيس الروسي الرامية إلى إقامة شراكة أمنية متكافئة، واستبعاد شبح الحروب الباردة والساخنة على حَدٍّ سواء.
إلا أن بلدان القارّة التي لم تعثر إلى الآن - ولا في المدى المنظور- على بدائل للطاقة من مصدر غير روسي، ستجد نفسها في نهاية المطاف أمام خيار واقعي يضمن مصالح الجميع، ولا يفرّط في الوقت نفسه بعلاقات أوروبا الأطلسية . فهل سيساعد مشروع ميدفيدف في صدِّ رياح الحرب الباردة التي تهب دورياً من وراء المحيط ؟ |


وتدعو مبادرة ميدفيدف إلى امتناع الدول المتعاهدة عن استخدام أراضيها للتحضير أو لتنفيذ هجوم على طرف آخر، وتنصّ مسوّدة المشروع على ضرورة تشكيل آليات فعالة، يتم تشغيلها بشكل سريع لتسوية الخلافات وتبديد القلق، ووضع الردّ المتكافئ على التحديات والأخطار في مجال الأمن. وفي حال الالتزام ببنود المعاهدة الروسية المقترحة، فإنه لا يمكن للولايات المتحدة إرغام حلفائها الأوروبيين على نشر منظومات عسكرية، تهدد بصورة مباشرة أو غير مباشرة الأمن القومي الروسي؛ مثل الدرع الصاروخية التي كان البنتاغون يعتزم نشرها في بولندا وتشيكيا، وتراجع عنها لأسباب تتعلق أساساً بالكلفة المالية الباهظة للمشروع.


