| فرسان الفنّ الرفيع |
|
سلام مسافر
لعل العام 2009، أثقل الأعوام على روسيا لجهة رحيل ثلّة من عمالقة الفنّ، تركوا آثاراً لا تمحى في الذاكرة الإنسانية، متجاوزين في إبداعاتهم، الفضاء الروسي. المطربة لودميلا زيكينا، صاحبة أرخم الأصوات، والتي تُعد ''أمّ كلثوم'' الغناء الروسي، والممثلون ألكسندر عبد اللوف، وأوليغ يانكوفيسكي، وفيتشيسلاف نيفيني، وغيرهم. وقبل أن ينصرم العام، اختطف الموت فيتشيسلاف تيخينوف عملاق الفنّ السابع، وبطل الأفلام والمسلسلات التي لا يملّ المشاهد من متابعتها.
وكان مسلسل ''17 لحظة من الربيع'' عن رجال الاستخبارات السوفييتية الذين اخترقوا عُقْر دار القيادة الهتلرية، حاز على شهرة عالمية، حتى إن مواطني دولة عربية -عُرِض المسلسل في قناتها التلفزيونية عقدَ السبعينيات من القرن الماضي- كانوا يُهرعون إلى منازلهم لمتابعة المسلسل، ووصف ناقد سينمائي الوضع في شوارع تلك البلاد -أثناء عرض المسلسل- بأنه يشبه منع التجوال، لأنها كانت تخلو من المارّة وحركة السيارات.
في ربيع العام، رحلت عن مسرح الحياة زوجته، نونا مورديوكوفا بطلة فيلم ''الدون الهادئ''. ومع أولى بلّورات الثلج المتساقط على موسكو، توقف قلب تيخينوف عن النبض. وبرحيله، ترجّلت عن صهوة الفنّ ثلّة من الفرسان، اعتكفت في الأعوام الأخيرة داخل صومعة الفنّ الرفيع. رفضت عروضاً مغرية للاشتراك في نتاجات استهلاكية، وفضّلت الانزواء بعيداً عن أضواء الأفلام والمسلسلات الهابطة. اللافت أن غالبية من ودَّع هذه الثلّة إلى المثوى الأخير ينتمون إلى الأجيال التي نَهَلَت من نهر إبداعاتهم الثّرّ، متدافعين بالمئات لإلقاء النظرة الأخيرة.
ونادراً ما تجد بين المشيّعين شبّاناً وشابّات تربّوا -للأسف- على أعمال نمطية شاعت خلال السنوات الأخيرة، لأنها تعتمد الإثارة الرخيصة. قد تكون ظاهرة ''الجمهور عاوز كده'' ظاهرة عالمية، طالت الحياة الثقافية والفنية الروسية، التي كافحت ثلّة الفرسان الراحلين لوقف التردي في مفاصلها. لأنهم آمنوا حتى الرمق الأخير بأن رسالة روسيا الثقافية في عالم متغير يجب أن تكون مفعمة بالرصين والخلاق والمؤثّر في العقول والقلوب. وبفضل الثلّة الراحلة حازت روسيا على قصب السبق في ماراثون الإبداع. |





