|
»ماتريوشكا« بوتين.. فكرة ملتبِسة |
|
كارين عابد من الأشياء الحسّية التي يمكن أن تحملها معك للذكرى بعد زيارتك إلى روسيا هي ''ماتريوشكا'' إنها دمية مزخرفة تعتبر رمزاً روسياً، تتألف من خمس أو سبع قطع متشابهة أو أكثر، تبتلع فيها الكبيرة الأصغر والأصغر الأصغر، وهكذا حتى تنتهي بالقطعة الأخيرة التي - لصغرها- لا يمكنك أن تضبطها بيدك ولا حتى أن تعرضها على رف أو طاولة فتقع دائماً وتكاد أن تضيعها مرات عدة... الـ''ماتريوشكا'' الروسية تلك التي نجدها بألوان متنوعة، وخطوط تتراوح بين الذهبية والفضية والسوداء تبدو لنا في بعض الأحيان أبعد من كونها جماداً أو قطعة للعرض، تبدو كياناً ذا ولاء سياسي مطلق تعكسه في وجهها الذي يتحول فجأة إلى ملامح راسخة في وجدان من يبيعها ويشتريها.. ملامح إذا ما رسمت على محيّاها تضاعف سعرها وأكثر... إنها ''ماتريوشكا'' فلاديمير بوتين الذي تحار وأنت تفاصل في سعرها وتتحاذق في امتلاكها بأقل كلفة ممكنة.. امتلاك مجسّم جامد له لا ينطق ولا يرى، تحار في فكرة أن تكافئ رجلاً أمضى ثمانية أعوام كرئيس للبلاد محاولاً أن يفوز بأنقاض وطن، ويصنع كياناً متراصّاً، ونهج دولة جديدة لا تملك أرضية ينطلق منها سوى مشروع اتحاد سوفييتي أثبت فشله وهوى. ورغم ذلك استطاع ذلك الرجل أن يعطي الكثير لما بات يعرف بروسيا الاتحادية.. مع أنه أخفق هنا وأخطأ هناك باعترافه هو شخصياً قبل أن يتحول إلى رئيس وزراء. أعود وأقول: أحار في فكرة أن تكافئ رجلاً من هذا العيار بتحويله إلى سلعة تباع وتشترى، ويتبدل سعرها بمبدأ العرض والطلب في شوارع موسكو الواسعة جداً، في ساحتها الحمراء التي تذكرك -لا محالة- بالتاريخ العابق في أجوائها وسمائها، والانتصارات الروسية الغنية التي لا أحد يقدر على بيع وشراء حقيقتها مهما مرّ الزمن... إذن لماذا تتضارب القيمة الوطنية والإنسانية بالقيمة الشرائية التي يحددها مزاج بائع أو شطارة شارٍ، فيتحول شخص مثل بوتين -بات ذاكرة وطنية للروس ملتصقة بوجدانهم شاؤوا أم أبوا- إلى مادة تباع وتشترى بمزاج.. كأن الرعية تجد دائماً متنفساً لها أو وسيلة خبيثة للتعبير عن رضاها أو انتقاداتها تجاه الكبار.. ''ماتريوشكا'' بوتين في الظاهر هي حركة تكريم وتقدير لإنجازاته وعطائه لروسيا، التي باتت اتحادية في عهده.. والمضمر الذي لا دليلَ حسّيّاً على إثباته وتثبيته، وهو متغلغل في باطن هؤلاء المتمردين في السر وبصوت مكتوم، هو ذلك الرفض والقهر والحقد العتيق الذي يغفو منذ زمن بعيد في قعر ظلماتهم، ولا مجال لأن يخرج ويشفي نفوسهم التي يقول كثيرون منهم بعد زجاجتين من الفودكا: إنها -أي تلك النفوس- لم تجد وسيلة للتعبير عن النقمة والانتقام إلا بابتكار فكرة ملتبسة، تتمثل ببيع وشراء من يعتبرون أنهم يبيعون ويشترون فيهم بأرخص الأثمان.. '' ماتريوشكا'' بوتين اليوم لا تزال في الأسواق، إلا أن ''ماتريوشكا'' ديمتري ميدفيدف تشكل تحدياً حقيقياً في العرض والطلب عليها، ولو أن الأغلبية من الروس تقول بأن دمية الأخير تحمل موادَّ الأولى نفسها وخطوط الرسم ذاتها.. ومع ذلك فإن الامتحان الصعب يكمن في من سيُباع منهما أكثر ويُشترى أكثر... في الساحة الحمراء.
|